skip to main | skip to sidebar
JALIL Al QAYSI جليل القيسي

اريد كل شيء او لا شيء اريد ان تلذالحیاه لکل انسان _ جلیل القیسی

Monday, August 11, 2008

ACOUNTER

Free Web Counter
Free Counter
Posted by kakayi at 2:22 PM No comments:
Newer Posts Home
View mobile version
Subscribe to: Posts (Atom)

The Iraqi writer Jalil al qaysi - kirkuk 25-7-06

The Iraqi writer Jalil al qaysi - kirkuk 25-7-06

Blog Archive

  • ►  2012 (1)
    • September (1)
  • ►  2009 (1)
    • September (1)
  • ▼  2008 (1)
    • August (1)

About Me

My photo
kakayi
Gent, Belgium
This blog is a homage to the Iraqi writer,the son of kirkuk who die at 27-07-2006 we well remember you forever.... kakayi- Belgium 27-7-08 contact me: hkakayi@gmail.com
View my complete profile
 
أيام جارحة مع جليل
القيسي

آزاد
أحمد
http://www.alturkmani.com/makalaat/08102006/3.htm
أعيش كعهدك
بي
أتنزه
متأملا
أستقل القطار
والسفينة وحيدا، بلا تذاكر
أتبضع من دون
مساومة
وليلا في البيت
مسترخ على سريري
(حبذا لو استطعت أن أفتح النافذة، حينما أشعر
بالملل)
آه... وبي رغبة
بين الفينة والأخرى
أن أحك رأسي، أقطف وردة،
أصافح يدا.

قصيدة "رسالة من
صديق ميت" للشاعر التركي أوكتاي رفعت

كنت أراقبه كل
يوم. كان يخرج من منزله الواقع في الحي الواسطي
في الخامسة مساءا، ليكمل مشيته المعتادة على طول "طريق بغداد" حتى إعدادية
صناعة كركوك، ثم يعود أدراجه، أو يجلس عند أصدقاء له من أصحاب المحلات التركمان ممن
هم أكبر منه سنا ولا صلة لهم بالأدب. كنت
أخاله أحد آلهة سومر أو بابل أو آشور وقد جاء إلى عصرنا هذا ليكتب لنا عن زمنه
الجميل ومملكته ذات الانعكاسات الضوئية.
كنت مغرما بادبه، كما كنت مغرما بجماعة كركوك. غالبا ما كنت أتردد على محلة
جوقور، حيث منزل فاضل العزاوي، وعلى كنيسة الأب يوسف سعيد في شارع المحطة،ومحلات
نورالدين (شقيق صلاح فائق) في شارع الجمهورية... هكذا بدأت أتعقب جليل القيسي خلسة
كجاسوس وبطريقة غبية أحيانا ومثيرة للضحك كما في الأفلام الأميركية الرخيصة، كنت
أقف إلى جانب الطريق متظاهرا بقراءة صحيفة أو بانتظار الحافلة، وعندما يصل عندي كان
يرمقني بنظرة عابرة دون أن يلحظ إعجابي الكبير به. لم أجرؤ أن أذهب إليه لأعرفه
بنفسي، كي لا أفسد عليه مشيته، أو ربما لعدم معرفتي بردود فعله سيما وإنه كان يعاني
من عزلة رهيبة. ولأني كنت أنا الآخر خجولا
بعض الشيء ولم أعرف من أين أبدأ معه، لذا طلبت من صديقي الشاعر قاسم آق بايراق
ليعرفني عليه. ما إن إلتقيت به حتى بدأت بالحديث عن قصصه ومسرحياته ومقابلاته وعن
جماعة كركوك،ألقى علي جليل نظرة طويلة قائلا، إنك أرشيفي!.
أحببته لأنه بدأ
يكتب نمطا جديدا من القصة لم نألفه من قبل: الإله مردوخ يأتي من عصر السومريين إلى
بيت جليل القيسي في كركوك ويدعوه إلى مدينة بابل القديمة لحضورإحتفالات الايكيتو،
أو رأس السنة البابلية... جليل القيسي يسمع طرقا على الباب، ينهض ليفتحها فإذا به
وجها لوجه مع دوستويفسكي، قائلا لجليل أعرف إنك تحبني كثيرا وها انذا آتيك بنفسي
إحتراما لمشاعرك الحارة لي... جليل القيسي بشخصه يقتحم بيت جروشنكا بطلة رواية
الأخوة كارامازوف ويتنبأ لشخصيات الرواية ولخالقه بالعمر المديد ويخبرهم بأن الأب
زوسيما لم يمت بل هو الآخر كباقي شخصيات الرواية سيبقى يعيش ردحا طويلا من الزمن...
قبل أن ينتهي جليل القيسي من قراءة رواية "الأبله" يسمع صوتا ينادي عليه فإذا به
فجأة وجها لوجه أمام الأمير مشكين بطل الرواية... يجد جليل نفسه في مدينة "نفر"
القديمة في يوم تقديم النذور السائلة ويتعرف على فتاة تدعى تريفه قادمة من مدينة في
الشمال تدعى "شيشروم" (حاليا رانيا في كردستان العراق)... يذهب جليل إلى الأهوار
ليكتب بحثا عنها فإذا به يرى نيدابة، آلهة الهور والقصب، وقد تم إبعادها من قبل
كبير الآلهة وأُلغي منصبها على ألوهية الأهوار لأن لم يعد هناك قصب والحكمة ماتت.
يقع جليل في حبها ولكن ما النفع؟ هي آلهة وهو إنسان...
أحببته لأنه قلب
مفهوم الهوية الإثنية رأسا على عقب، ومثّل مزيجا متداخلا من جميع الأعراق: فهو من
أب عربي وأم كردية، وتزوج من إمرأة أرمنية، وسكن محلة تركمانية، في مدينة يعيش فيها
جميع الأعراق من الكرد والتركمان والعرب والكلدو آشوريين والأرمن والصابئة
المندائيين واليزيديين واليهود (حتى منتصف القرن الماضي). وكان يتحدث جميع لغات
كركوك ويعتبر جميعها لغاته الأم من دون أن يفضّل لغة على أخرى، كما هو حال معظم
أبناء المدينة. فإن كشطت جلد أي كركوكي أصيل ستجد تحته إثنيات وأعراق ومذاهب مختلفة
ومتداخلة. هكذا نحن أبناء كركوك الحقيقيين ننتمي إلى جميع الأطياف ونتحدث جميع لغات
كركوك. لا غرابة أن أهل السليمانية يدعوننا ب"سى موجه كه"، أي ذوو الموجات الثلاث،
نسبةً إلى اللغات العربية والكردية والتركمانية التي يتحدث بها معظم أبناء المدينة
والتي تعتبر جميعها لغات رسمية في كركوك. إن ما يجعل عربيا كجليل القيسي وكرديا
مثلي أن يتحدثا باللغة التركمانية لا يعود إلى أن الشخص الذي عرّفهما ببعضهما هو
تركماني فحسب، بل هو إعادة مفهوم الهوية القومية هذه. هذه الصفة يمتاز بها معظم
أدباء جماعة كركوك، كفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وأنور الغساني وزهدي الداوودي ومحي
الدين زنكنه ويوسف الحيدري والأب يوسف سعيد وصلاح فائق وقحطان الهرمزي، حاملين
أفكارا ومفاهيم جديدة عن القومية واللغة والأدب تعكس تركيبهم الاثني وتنوعم
الثقافي. يقول أنور الغساني في رسالة له إلى نصرت مردان والمنشورة في العدد الثالث
من مجلة سومر 2006: "انتقلنا وعمري 4 سنوات من "قلعة صالح" إلى كركوك التي نشأت
فيها وهي مدينتي وموطني. والدي من كركوك تركماني/تركي. في البيت كان يقول أن جده
أحمد كان باشا في الجيش العثماني، وأن جده السابع اسمه أصلان. كل أقاربنا من ناحية
والدي تركمان في كركوك. كثير منهم لا يتكلم العربية على الاطلاق. ثقافة والدي كانت
مزيجة من العربية والتركية. في البيت كنا نتكلم العربية فقط لأن والدتي لم تكن
تتكلم التركمانية. وهكذا نشأنا وأصبحت لي لغة أم عربية ولغة تركمانية، محيطنا،
أقربائنا، أصدقاءنا..الخ وهكذا أصبحت لي هوية عربية وهوية
تركمانية".
ويقول في رسالة ألكترونية
لي باللغة الانكليزية:" بإمكاني أن أعرّف هويتي كعربي وكردي وتركماني وأخرى
كثيرة".
هذه الأفكار السحرية هي
التي جعلتني أتابع باهتمام بالغ كل ما يكتبه جليل القيسي وجماعته. كنت لا أتوقف
عن
طرح الأسئلة عليه حول
جماعة كركوك، وهو الآخر لا يمل الحديث عن أصدقائه القدامى،
والمدينة،IPC Training Centre وعن البدايات؛ تعلم الإنكليزية في مركز التدريب المهني التابع لشركة نفط
العراق
كتب أولى
مسرحياته باللغة الإنكليزية، أقنعه أنور الغساني بالكتابة باللغة العربية، رغم أنه
كان يعاني من صعوبات في اللغة العربية. يقول جليل إنه حينما كان في أميركا، كان
يكتب رسائل إلى أهله بلغة عربية ركيكة خالطا فيها العامية بالفصحى، مما كانت تثير
ضحك أهله. أما عن سفره إلى أميركا، يقول فاضل العزاوي في مقال نشره في مجلة المدى
عن "أصدقاء السوء، جماعة كركوك" ومن ثم ضمه إلى كتابه "الروح الحية – جيل الستينات
في العراق" إن جليل القيسي "كان قد قصد أميركا ليدرس التمثيل فاضطر إلى العمل كعامل
مصعد في أحد الفنادق لمدة تسعة شهور، ثم استبد به الحنين إلى الوطن فعاد إلى كركوك،
متخليا عن حلمه في أن يصبح نجما في هوليوود". ولكن كلام فاضل العزاوي هذا أثار
حفيظة جليل القيسي، الذي برر هو الآخر سفره إلى أميركا بغية دراسة المسرح وليس ليصبح ممثلا في هوليوود. قد يكون فاضل على
صواب. لم لا؟ فجليل يمتلك جميع مؤهلات النجومية من الوسامة وطول القامة وإجادة
اللغة الانكليزية بطلاقة، فضلا عن إنه كثير الشبه بالممثل الأميركي كلارك كيبل نجم
فيلم "ذهب مع الريح" الذي حصد تسع جوائز أوسكارعام 1939.
كان يروي لي عن
سركون بولص وكتاباته الغرائبية والحديثة من القصص والقصائد التي لم تكن تناسب سنه
الصغيرة في ذلك الحين، واصفا إياه بالشاب الوسيم الذي كان كثير الشبه بالممثل
الأمريكي كريكوري بيك. وعن بداياته وكيفية
تعلمه اللغة الانكليزية قال إن شقيقه أنوربولص الذي كان يعمل في شركة النفط يجلب له
روايات الجيب الانكليزية
Pocket Book التي كان العاملون
الأجانب من الانكليز يتركونها بعد قراءتها، لينكب سركون على قراءتها بنهم. كان جليل
مغرما بشكل أخص بقصيدته "إعدام صقر" ، قائلا عنها "إنها قصيدة تُبكي". مرة أراني
ألبوم صوره: صلاح فائق مرتديا الزي الكردي... سركون بولص في بيت جليل عام 1986، وهي
المرة الوحيدة التي عاد فيها سركون إلى كركوك، والتقى بجان وجليل. وحينما كان جان
دمو في كركوك، رافقته مرة إلى بيت جليل القيسي، لا لشيء سوى لأشبع فضولي وأرى ماذا
يحدث عندما يلتقي اثنان من جماعة كركوك؟
وقد شرع جليل في السنوات الأخيرة بكتابة مذكراته عنهم ولكن الموت لم يمهله
الانتهاء منها.
ذات مرة ذهب جليل
إلى سوق السمك في منطقة أحمد آغا ليشتري سمكا، فاجأه بائع السمك الكردي باطلاعه
الواسع على قصصه ومسرحياته، مناديا إياه "ماموستا جليل"، أي "أستاذ جليل". ظل جليل
يذكر لنا هذه الحادثة بفرح كبير. ولم يكن بائع السمك هذا سوى صديقنا المثقف صباح
محمود الذي زج به النظام البعثي في السجن وهو في السنة الأخيرة من دراسته الجامعية
بسبب نشاطه السياسي المعارض، ولم تقبله الجامعة بعد إطلاق سراحه، فاضطر إلى مزاولة
بيع السمك.
الآن وقد رحل عنا
جليل القيسي، ومن قبله يوسف الحيدري وجان دمو، أقول إنني محظوظ عشت في زمنهم، وحظيت
بلقاء وصداقة بعض منهم، ومازلت أتطلع للالتقاء بالآخرين.
ألآن وقد أصبحت
جماعة كركوك علما من أعلام المدينة كقلعتها الخالدة، كنارها الأزلية، أما آن الأوان
لكي تفكر السلطات المحلية في كركوك بنصب تماثيل لهم، أو تسمية شوارع المدينة
بأسماءهم؟

• عنوان المقال مأخوذ من

عبارة لجليل القيسي واصفا فيها الإنجيل بالنثر الجارح

Azadaswad@yahoo.co.uk

جلیل القیسی - غلاف المجموعة الکاملة - الجزء الثانی

Ali Darwish&Jalil Al gaysi 2006

Ali Darwish&Jalil Al gaysi 2006
الفنان والکاریکاتیرست علي درویش والراحل جلیل القیسی فی مقر اتحاد الأدباء الکرد في اربیل 2006

jalil Al qaysi نعي

jalil Al qaysi نعي
نعي جليل القيسي

Al qaysi نعي الراحل جلیل القیسي

Al qaysi نعي الراحل جلیل القیسي
الصورة من مهند القیسي ابن اخ الأستاذ المرحوم جلیل القیسی

sotakhr.com الصوت الآخر

جليل القيسي.. الطرف الاخر

تيمور كاكه محمود

جليل القيسي

لم اعتد ان اكتب بلون المراثي، لون الليالي الحزينة ولم احمل قلما متشحاً بالسواد حزنا على رحيل السنونو ولكن حين جف حداد جليل وسكت قلمه ومات الكلام فيه، تصارعت في ذهني صور لعلها الاجمل في حياتي.

لا استطيع ان اجعل اطاراً لذكرياتي من غيمة الاديب زيد الشهيد الزاوية ولا سمفونية شيركو بيكه س من مطر الحب المنهمرة، او موسيقى صديقي عبدالرحمن طهمازي (اذا كان يتذكرني), لا اريد ان اكتب عن العزلة المفروضة على جليل في كركوك الباكية ابداً، جليل آثر ان يعيش حياته مع شخوص رواياته، حيث كان ملتصقا بالخيال الى حد الطموح، يرى في الحلم الحرية الوحيدة للانسان.

في نهاية خمسينيات القرن الماضي، أسست جماعة من ادباء كركوك تضم فرسان الموجة الجديدة المعروفة بموجة كركوك أوالموجة الثالثة، فرقة شباب الطليعة بقيادة مؤيد الراوي، كانت الجماعة تلتقي في كازينو الجيهة، وكنت تسمع صخبهم ونقاشاتهم ونتاجاتهم، انور الغساني يحمل بيده اليمنى قراءة شعرية، وبيده اليسرى لوحة لم تكتمل، فاضل العزاوي المبدع دوما غارق في متاهات رامبو وبودلير، يوسف الحيدري في نقاش حاد مع محي الدين زنكنه حول مكسيم غوركي، مؤيد الراوي اللاصق بكسل تشيخوف، والعجوز المراهق جان دمو في عراك مع سركون بولص بلغة لايفهمها احد وبعيداً عن الصخب ينزوي جليل القيسي في ركن لا يهمه صهيل المارة (كما يقول) ويبرز امامه بين فترة واخرى كاكه مه م بوتاني يحمل راية مهترئة بكلمات شيخ رضا طالباني وشدة فاضل العزاوي صديقه، ولم نكن نعرف بأي لغة يتفاهمون.

دعت جماعة كركوك اصحاب المواهب التمثيلية، فذهبت (متوسلاً)، وفوجئت بان الهاديء جليل القيسي هو الذي يختبرنا، شعرت برهبة وجاء دوري، فنقلني من مسرحية الى اخرى، وفي قراءة ليوليوس قيصر، عانقني جليل فكان بداية لصداقتنا.. كانت باكورة اعمالنا رأس الشليلة ليوسف العاني، ثم توالت مسرحيات عالمية، وكان مخرجوها مؤيد الراوي وجليل القيسي.. جليل طموحه لايقف عند حد وخياله يعلو ناطحات السحاب في امريكا، كان يعشق شموخ قلعة كركوك.. كان مغرماً بالافلام الامريكية والمطربين الامريكان.. حمل لي يوماً قصاصة ورق فيها اغنية للمطربة (دوريس داي) كان معجباً بها وتقول الاغنية:

when I was just a little boy I asked my mother what will I be..

.........الخ.

أي حين كنت صغيرةً سألت امي ماذا اكون فقالت امي ليحصل ما يحصل.. اي نحو القدر كنا نشاهد فلم مارلون براندو(عربة اسمها اللذة) للمخرج ايليا كازان، فسحر جليل بهما كثيراً، ثم سحر بالممثل يول برينر في فلم (الملك وانا).

كان دائم الحلم ان يكون في هوليوود و..فجاة يختفي جليل، لقد شد الرحال الى امريكا، حلمه في رحلة سندبادية يعمل تارة في باخرة وتارة في مخابز او مطاعم بسيطة، والمهم ان يصل الى امريكا.. نيويورك وناطحات السحاب في حي هارلم موطن الزنوج المحرم على الغرباء انذاك، يهجم عليه عدد من الزنوج، يحمل بعضهم عصاً غليظة، نهبوه كل مايملك حتى قمصلته ورموه قرب القمامات يرتعد برداً او جوعاً وربما ندماً.. يصور هذه الاحداث في كتابه (مدينة مدججة بالسكاكين) ولا ادري لم اختار شيكاغو مسرحا لقصته.. وصل الى هوليوود كان عجزه اللغوي سبباً في فشله) عمل في عدة بيوت لممثلين كان الممثل (ميكي روني) اكثرهم عطفاً عليه، عاد الى العراق (لا ادري هل تبدد حلمه ام ان الحس الفني لم يصمد امام حسه الادبي)، كان يتفاعل مع الارهاصات الداخلية لشخوصه.. قرأ لي مسرحية حول نيجنسكي راقص البالية الشهير، فغطى جميع عوراته التي لحسها استاذه الشاذ يستر عورته بورق توت ارجواني، مكثت اراه يرقص في بحيرة البجع ومتمايلا مع انغام جايكوفسكي، كم كانت ليلة لذيذة، كان جليل متعمقا جداً تراه يسبر غور رامبو الذي لوكته الشوائب مع بودلير، او فيرلين وما حصل في زورق يقول انا يهمني مايقوله رامبو، مع ذلك في السنوات الاخيرة حين كنت اشبه شيركو برامبو، كان يقول ان شيركو اعظم من رامبو، كنت لا افهم كليهما.

بدأت هجرة جماعة كركوك الى بغداد واحداً بعد الاخر (فسكن مؤيد الراوي وانور الغساني وفاضل العزاوي في غرفة تشرف على شارع ابي نؤاس).

كان الادباء في بغداد يجلسون في مقهى هوبي (اول شارع فرعي يربط شارع السعدون بابي نؤاس) تجدّد الصراع الادبي في هذا المقهى الصاخب الذي كان يضم الهادئ عبدالرحمن طهمازي والصاخبين شريف الربيعي وجليل حيدر الفيلي ويأتي المرحوم خالد حبيب الراوي فيتلو ما كتبه ويعود باكياً من انتقاد مؤيد الراوي والانيق عبدالرحمن الربيعي لم يسلم من انتقادات جماعة كركوك انذاك، فصمد وكان رأي جليل القيسي ان عبدالرحمن سيصل، اما هؤلاء فلا عاد جليل الى كركوك ورغبته ففي العزلة وكان اتصالنا دائمياً حيث كنت اتردد دوماً الى مدينتي وأهلي في كركوك.

عرض فلم المحكمة قصة فرانز كافكا، فشاهدناه مرة واحدة الا جليلاً، فقد حضر عرض الفلم اكثر من مرة، فسأله مؤيد الراوي الا يكفيك مرة واحدة؟ فكان جوابه اني اريد ان افهم الفلم، وقلت له ان طه حسين مات ولم يفهم (المحكمة).

مرة عاتبت الصديق فاضل كلو العزاوي عند جليل وقلت، بان فاضل يوحي بان هوية كركوك تركمانية، فقال جليل اسأله ليعد عشرة اصدقاء من التركمان الادباء اذ كان يعرفهم فساترك الادب.

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عند قبر الاستاذ جلیل القیسی آب 2009 کرکوک

عند قبر الاستاذ جلیل القیسی آب 2009 کرکوک
فی زیارة للمثوی الاخیر للاستاذ الخالد جلیل القیسی فی مقبرة شیخ محی الدین فی کرکوک

From : www.alimbaratur.com


عزلة زمن جسد منعزل

الى: جليل القيسي اخيرا

قد وجدت َ لضوئك مرفأ
لكن ملاذ الأرض..؟!
الصباح ظاهرة برتقالية تتشظى
والسوق سماء مبقعة بأحذية
لامعة
وأحزان ممغنطة..
تحت جسر يربط المسرات
بالعويل
قرب نزف نهر رفيع
كسعادتي
أملصت الأرض..!
ـ دهشة في مثانة الحياة ـ
أنا
والموت نتناوب في الخلق
أمس قرفص (الارانجي) على عتبة
العدم
مدججا ب(أمم من الفرح)
سكرات الخوف تبدي له المسامير
حليقة الرؤوس كأناس مدينته
شحذ قلبه
سمى نفسه: أنا الألم فإلي بالانسان..
وطار..
على صدره
كان (نجنسكي) يرسم رقصة الخلود
بقدميه
وخلف ستار من نور مظلم
عَمًدَ (جيفارا)
أغواه الحفل بالدغدغة
بعيدا.. أسقط روحه
تاركا (ارانجا)ه
تتسكع بين شظايا الورود..
حينها
عَلًقَت الأشياء ضحكتها على قامة
الكوارث
وأزقة ضيقة تجنحت ضجرا..
فقط
كان المطر يبكي في غرفته
كنافذة..

عدنان عادل
28.07.2006
B ruxelles

طيران

أدجج أطرافي بريش
التسكع
أنثى السحابة
تغريني
كي أطير..!

هاهو ذا يسير بمحاذاة
الجثث
أما أنا
أتلصص في مساءات البيوت
لأسرق حياة
وأطير..!

بطائرتي الورقية
ألامس أطراف السحابة
وحين يدب النعاس في مدينتي
أربط الخيط بسريري
معا
أنا..
أنت..
والوطن اللاهث..
نطير..!

بعد أن انتهى النهار
من قرضي
قادني ظلي إلى واد متوج
بجثة وجرادة
أسأل عن مدينة بكماء
وعن أنوثة افترستها
خفافيش الظهيرة:
ــ من منكم يحمل قلبا زائدا
يعيره للحياة ونطير..؟!
أقطف الشتاءات
وأبذرها
أداعب الأشجار
وأضاجعها
لأزرع في الأرحام وليدا
يركل الأرض
يرحل في أصياف الذاكرة
وفى خريف مستاء جدا
يلملم أطرافه ويطير..!

أبحث عن ساق
أسند وجع العالم
وعن سكر
يعتليني صهوة المدينة
وحين أبحث عن ريش
تزحف دودة القلق نحوى
بينما الطيران
أصبح ظاهرة مؤجلة...!!

عدنان عادل -
adnanadil1971@yahoo.com

_________________________________________________________


From : www.ahewar.org/


سيادة الرئيس الطالباني! !!!! لاتهملوا ابن- مدينة الضوء- جليل القيسي


فاروق صبري
farouk1952@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 1596 - 2006 / 6 / 29

سيادة رئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني.....
أتفهم مشاغلك ولكن ربما تتفهم أنت أيضاً هاجسي ووجعي وحلمي الكامن في سطور دعوتي هذه التي اقدمها لك وقبل بسط هذه الدعوة والتي أطلقها عبر موقع كيكا واضعاً اياها أمامك وأمام المنابر الاعلامية والواجهات السياسية ، أقول لك أنني سمعتك وأنت تؤدي قسم انتخابك رئيساً وتقول فيه بما معناه :بانك تحافظ على وحدة واستقلال وسلامة ثروة العراق ووووو ، والمؤكد أن ما أدعوك اليه يا سيادة الرئيس! يتماهى ولأقل بصوت عالي يتداخل مع"سلامة الثروة العراقية" لانه يخص ثروة معرفية فريدة في عمقها وكبريائها وضرورتها والتي تتمثل في ابن "المدينة الضوئية" كركوك القاص والكاتب المبدع جليل القيسي وما آل اليه وضعه الصحي وها هو الأن ينقاد إلى مستشفيات تركية والخوف أن يترك هناك وحيداً دون اهتمام فعّال لصحته ولظروفه ولظروف أهله وهذا ما يسئ لتاريخ من كبرياء وابداع سجله القيسي في حياتنا ، فهو لم يلن لإغراءات وتهديدات سلطة أقذر طاغية وفي نفس الوقت أنجز نصوصاً أدبية لا تنطفئ كما أضواء بابا كركر وعميقة وأصيلة مثل شموخ وجمالية قلعة كركوك ، فهل ترضون أن تنطفئ في الغربة أضواء مدينة "أرنجا" السرمدية وهل تقبلون أن تتساقط صخور وأثار وتواريخ وبيوت وحيوات قلعتها بعدما لم تستطع أحقاد وبلدوزرات الطاغية من هدمها!!؟
سيادة الرئيس!!!
هل يعقل أن يهمل المبدعون الذين لم تنحن قاماتهم وابداعاتهم زمن الطغيان والحصار أو يرتقي الاهتمام بهم خارج حدود (مكرمة الرئيس) السيئة الصيت والقصد!!؟
مطلوب منك أن لا تدع المبدع جليل القيسي وحيداً في مستشفيات تركيا ، لابد من تشكيل لجنة طبية وحكومية عراقية من متابعة أوضاع القيسي الصحية والعائلية ولابد من نقله إلى أفضل المستشفيات في العالم .
انه ابن "مملكة الانعاكاسات الضوئية"..
انه ابن مدينة "سمفونية اللغات"
انه ابن كركوك
ابن المعرفة العراقية الاصيلة
انقذوه من الانطفاء..... 


from/ www.elaph.com/

***************************************

جليل القيسي، حياة حافلة بالإبداع مرت كومضة سريعة

2006 الثلائاء 1 أغسطس

نصرت مردان


عندما أقبلت مع الشاعرين حمزة حمامجي وإسماعيل إبراهيم اللذين كانا قد اعتادا زيارتك، نطرق بابك في مساء تشريني عام 1969، كنت على مقاعد الدراسة الثانوية، أكتب في اليوم الواحد أكثر من قصة في دفتري الخاص. كنت في تلك السن المبكرة من حياتي مهووسا بالقصة، وكنت أتابع كل ما ينشر لك في المجلات العراقية واللبنانية.
في ذلك المساء كنت أحمل دفتري العتيد بعد ان نصحني حمزة بذلك. رحبت بنا بوجه بشوش مثل معلم طيب القلب يقابل تلاميذه.تحدثت إلينا بمودة ودفء. بعد فترة غادرت الغرفة ثم عدت إليها وأنت تحمل صينية عليها أكواب نسكافي بالحليب، ولم أكن قد تذوقته من قبل. لم يكن اسمي غريبا على مسامعك فقد كنت قد نشرت بعض المحاولات القصصية التي لم تنضج هنا وهناك. مددت إليك دفتري باستحياء بعد إلحاح من زميلي العزيزين، وكانت معظم القصص فيها قصيرة لا تتجاوز الصفحتين أو ثلاث صفحات. انشغلت فترة بقراءة نصين أو ثلاث أتناء الجلسة ثم رفعت عينيك محدقا وقلت بحزم:
ـ هذه ليست قصص.. وإنما خواطر وتعبيرات إنشائية!
وقع رأيك علي كالصاعقة. كيف أكون صفرا على الشمال في القصة التي أقدسها وأكتبها بكل جوارحي، واقضي ساعات طويلة من يومي بعيدا عن العالم الخارجي متنزها في عوالم القصة والرواية لكتاب عظام. قلت لك كنوع من الاحتجاج على رأيك الحازم:
ـ لكن جميع الذين يطلعون على هذه القصص من زملائي يبدون إعجابهم بها.
وهنا قلت لي كلاما كالحكمة لا يقوله إلا كاهن:
ـ ذلك لأنهم أقل موهبة وثقافة منك!
ثم بدأت وبكل تواضع تقرأ لنا آخر ما كتبت قصة (اكس ديوس ماشينا). استمعت إليك بانبهار حقيقي، وأثارني تواضعك الجم معنا، ومعاملتك الودية والجدية لنا، وكأننا كتاب ولسنا مراهقين، نحبو في عالم الأدب.
غادرنا بيتك وبدأ صديقاي يهونان من وقع رأيك علي، بعد ان لاحظا تأثري الشديد بما قلت. كانت الأيام المقبلة لي أيام نقد ذاتي قاسي لما اكتب. قرأت ماكان يحويه دفتري من نصوص مثنى وثلاث ورباع. أحسست فعلا انها اقرب إلى خواطر مبثوثة هنا وهناك، يعوزها العمق والبناء القصصي المحبوك. كان رأيك القاسي حافزا كبيرا لي لكي أبدء من جديد، بداية حقيقية تعتمد على المطالعات النوعية المعمقة، واستخلاص روح القصة الحقيقية من النصوص القصصية.
لم يكن قد مضى وقت طويل على لقائنا الأول، كتبت قصة تختلف تماما عن كل ما كتبت عنوانها (والى النهر يعود الإنسان)، بعثتها إليك مع صديق. لم يردني أية ملاحظات منك كما كنت آمل. ولأنني كنت مصمما أن استمع إلى رأيك النهائي، فقد زرتك في مساء آخر بمفردي. قابلتني بنفس الود والوجه البشوش. كنت إنسانا ودودا ورائعا ومبدعا لم يعرف الغرور والتكبر طريقه إلى سلوكك الراقي مع الآخرين. وقد ظللت تحتضن جميع من مروا على بابك من هواة الأدب في كركوك وما أكثرهم.. ليقرأوا في حضورك، وكنت تتحملهم بصبر أيوبي. لم تكن تجامل أحدا منهم على حساب الإبداع، فالقصة كانت عالمك الذي لا يجوز فيه المجاملة على الإطلاق.
وجدتك تقول لي:
ـ قرأت قصتك الأخيرة كانت رائعة.. ودعني أعلن لك عن استغرابي ودهشتي لقدرتك على تطوير نفسك خلال هذه الفترة القصيرة.. لقد كتبت رائي حولها في صفحة كاملة وأعطيتها لصديقك الذي حمل القصة لي على أمل إيصالها إليك.
عندما ذكرت لك بأنني لم استلمها ابتسمت ابتسامة لها مغزى وقلت:
ـ آه.. انها الغيرة!
خلال سنوات دراستي في تركيا، تبادلنا الرسائل. أجريت معك لقاءا وترجمت قصتك (اكس ديوس ماشينا) إلى اللغة التركية، وقد نشرت في مجلة (وارليق ـ الوجود) التي كانت تعتبر أهم المجلات الأدبية آنذاك وأطولها عمرا، وتخصص بعض صفحاتها للتعريف بالأدب الأجنبي ونصوصه، ولا تزال مستمرة في الصدور. وقد بعثت نسخة من المجلة إليك. بعد سنوات التقيت مع يشار نابي رئيس تحرير المجلة المذكورة، في مؤتمر المجمع اللغوي التركي بأنقرة عام 1977، والذي استضاف عددا كبيرا من الوجوه الثقافية. بعد عرفت نفسي لرئيس التحرير، قال: آه.. تذكرتك! ما أخبار صاحبك جليل القيسي كاتب القصة الجميلة (اكس ديوس ماشينا)؟
 لقد تذكرك يشار نابي رغم عمره المتقدم وتذكر قصتك، وكنت لحظتها قطعا في صومعتك تستمع إلى ـ كانتات ـ باخ العظيم، ليظل حلمك في وهجه، وعزلتك محفوفة بالأميرات وفتيات مجدولات بالضوء.. ولا اخفي عليك وكما قلت لك في أحد لقاءاتنا بكركوك فيما بعد، بأنني شعرت باعتزاز بالغ لتذكر يشار نابي لقصتك واسمك، وكأنه يتذكرني أنا، ويثني على قصة من قصصي أنا .
أثناء زيارتي لكركوك في العطلة الصيفية، كنت أزورك دائما في دائرة المنتوجات النفطية التابعة لشركة نفط الشمال. في كل زيارة، كنت أجدك في غرفة جديدة. في مرة وجدتك في غرفة صغيرة ملاصقة لغرفة المدير تحت سلم يؤدي إلى طابق أعلى. كنت متذمرا ومنفعلا وأنت تقول لي:
ـ تصور ان المدير الغبي يثيره ويزعجه أن أطالع كتابا في الساعات التي تخفت فيها وتيرة العمل..لقد خصص لي هذه الغرفة لأكون قريبا مني، ليطل بين لحظة وأخرى علي بحجج واهية ليتأكد هل أطبق تعليماته أو ليداهمني بالجرم المشهود وأنا أطالع كتابا أثناء الدوام الرسمي!
في مساء ما دعوتني مع الأخ محمد إسماعيل، الذي غادر العراق في فترة مبكرة، إلى منزلك كان مساءا بهيجا وجميلا. طلبت مني أن اغني لك أغنية تركية، فغنيت لك وسط آهات التشجيع أغنية (بو آقشام دولاشتيم بوتون ميخانه لريني استانبولون ـ في هذا المساء تجولت كل حانات استانبول).
في مساء آخر كنا في شقة الأخ محمد إسماعيل مع مجموعة من أدباء كركوك، دار حديث حام عن المبدعين الكبار أمثال: غوغول، ديستوفسكي، همنغواي وجون شتاينبك. انبريت تتحدث عن شتاينبك بإعجاب مؤكدا ان أعماله كعناقيد الغضب والبشر والفئران هي أعمال خالدة. هنا لم يتحمل احد الجالسين تقييمك لشتاينبك وصرخ بانفعال:
ـ كيف تثني على كاتب عنصري، أيد حرب ابادة الشعب الفيتنامي؟!
تكهرب الجو وترك صاحبنا الشقة محتجا. كنا جميعا إلى جانبك في ضرورة عدم الخلط بين إبداع الكاتب وفكره السياسي. فليس من معنى للإشادة دائما وفي كل الأحوال بكاتب او شاعر لمجرد انه ينتمي إلى جهة سياسية نتعاطف معها، وبالضد أن نستنزل اللعنات على كاتب رغم إبداعه، لمجرد ان ليس على نفس الخط السياسي الذي نؤيده، فالنص أولا وأخيرا هو الحكم على إبداع الكاتب والشاعر، وليس انتماءه السياسي.
 تجلى وفاؤك في زيارة بيتنا في غرفة خلال سنوات دراستي والسؤال عن أخباري، واستعارتك بعض الكتب من مكتبتي. وكان لرواية (البؤساء) بترجمتها الكاملة المؤلفة من ثلاثة أجزاء حظا أوفر في الاستعارة. كنت تعود إلى طلبها مني فيما بعد، لأنك كما قلت كنت تكتشف عند كل قراءة عوالم جديدة فيها.
لم يخلق حبك للعزلة من اجل الإبداع ومواصلة فعل الكتابة، ميلا عندك للنفور من البشر كما قد يعتقد البعض، بل كنت ودودا وطيب القلب حتى مع العامة التي كنت تلتقي بهم إثناء تجوالك في شوارع كركوك، تبادلهم التحايا باعذب العبارات. وعلى العموم كنت متحدثا لبقا، تمتاز بالحضور الدافيء
خلال أية جلسة. في جلسة من هذه الجلسات التي اقتصرت علينا نحن الاثنين تحدثت بمودة عن لقائك بعد سنوات في كركوك مع الشاعر سركون بولص الذي زارك في بيتك وحدثتني متذمرا كيف ان سكرة جان دمو أفسد عليك حلاوة اللقاء مع صديق عمرك. وذكرت لي انك أعطيته بعض النصوص الشعرية للشاعرين حمزة حمامجي وإسماعيل إبراهيم، اللذين رغم موهبتيهما الملفتة للنظر، والتي يعرفها عنهما معظم أدباء كركوك، لكنهما ظلا بعيدين عن أي اهتمام بهما وبنتاجاتهما، طالبا من سركون بولص العمل على نشر تلك النصوص في بعض المجلات التي تصدر خارج العراق. لم تكن تألوا جهدا للوقوف إلى جانب أصحاب المواهب الحقيقية، التي كنت تمهد أمامها الطريق، بنقدك غير المجامل للارتقاء بها إلى مستوى النضج.
كنت تشعر بالمرارة من موقف بعض من لجاؤا إليك وطرقوا بابك، مغدقين عليك المديح والإطراء، وهو موقف اقل ما يقال عنه انه موقف غير ودي، يهدف للتقليل من شأنك واحاطة محمود الجنداري بهالة من التقديس وتسويقه في جلساتهم المسائية في نادي الفنانين بكركوك كمنافس لك. وكان الجنداري قد انتقل للإقامة في كركوك بهدف الحصول على 10 آلاف دينار وقطعة ارض وقرض مصرفي لبناء دار سكنية، وهي امتيازات خصصها النظام السابق للوافدين إلى كركوك من المحافظات الأخرى، ضمن حملة تعريب مدينة كركوك. ولم ألتق به إلا مرتين، الأولى عند وجودي في النادي مع مجموعة من الأصدقاء، حيث اقترب مني شقيقي الذي كان يشرف على إدارة النادي، قائلا ان الجنداري يود التعرف عليك، ثم أقبل أحد الأصدقاء من الذين كانوا معه على نفس المائدة مجددا رغبة الجنداري. تعرفت عليه وتحدثنا عن القصص المنشورة في العدد الخاص بالقصة العراقية لمجلة الأقلام. لم اطل الجلوس معه، تحدثنا عن الأدب التركي، وقال انه سمع بالروائي التركي يشار كمال، ولم يقرأ له شيئا، فقلت ان لدي نسخة من روايته (اينجه ممد ـ محمد النحيل)، وسأبعثها له من اربيل (مكان عملي).
بعد مدة زرت كركوك، والتقيت كالعادة بأصدقائي في نادي الفنانين، وجلست معهم على مائدة مزدحمة. رأيت الجنداري يجلس منزويا مع شخص آخر..اقتربت منه محييا، فإذا به يقابلني بوجه عابس قائلا:
ـ العفو عندي خطار (ضيف)!
قلت له:
ـ لم آت للجلوس معك فمعي دائما والحمدلله (جوكة) من الأصدقاء والأحباء..وددت فقط سؤالك فيما إذا كنت قد استلمت رواية يشار كمال التي بعثتها إليك مع صديق أم لا؟ عمت مساء!
في هذه اللحظة تذكرتك، وعلمت مرة أخرى كم كنت متواضعا وأصيلا مع كل محب للأدب يطرق باب صومعتك!
أقول الحق لم أجدك يوما تتحدث عن كاتب بسوء، ولم أجدك يوما تستجدي أحدا (حاشاك) ان يكتب عن عمل من أعمالك كما كان يفعل ذلك غيرك. حاولت عدة مرات أن نلتقي معا في نادي الفنانين، وكنت في كل مرة تسألني: هل هم هناك؟ وكانوا دائما هناك..كنت لا تفضل أن لاتراهم بل كنت تفضل البقاء في صومعتك لتتأمل لوحة (جسر كورييفوا) لجورج بيسارو ولوحة بوشيه عن الإله (زيوس).
اضطررت إلى مغادرة العراق دون ان أودعك لكنك كعادتك كنت تسأل شقيقي عن أخباري، وكم تأثرت عندما نقل لي مرة أثناء حضورك احتفالية الشاعر قحطان الهرمزي انك قلت له " لو ان نصرت لم يسافر إلى تركيا ولم يتغرب لسنوات، وواصل نشر أعماله هنا، لكان له شان آخر في القصة العراقية ".
كان هذا أعظم إطراء في حياتي الأدبية الخالية من الثناء والمديح، واعتبرته وساما اعتز به طوال عمري لأنه ممنوح لي من أمير وسيد القصة العربية، وهذا يكفيني.
عندما قرأت قبل فترة في (إيلاف) خبر معالجتك في أنقرة، خابرت معارفي هناك للاطمئنان عليك باعتبارك قيمة حضارية وإنسانية وإبداعية، لكنني لم أتلق منهم أي رد.
في قصة (فتاة مجدولة بالضوء) تبدو وكأنك تتحدث عن حياتك اليومية بعد التقاعد "..منذ إحالتي على التقاعد قبل زهاء أربع سنوات، وأنا أعيش في بيت صغير في حارة تقع في ظاهر المدينة..بيت فيه ثلاث غرف، وصالون، وأشغل في هذا البيت الصامت صمت الدير أكبر الغرف، وأعيش عزلة صماء، أقرأ، وأكتب، وأدون أحلامي، واستمع إلى الموسيقى، وأتذكر أصدقاء أعزاء، وصديقات كنت أحبهن ذات يوم..".
يقول كازنتزاكي " حياتنا ومضة سريعة لكنها كافية ".. لقد عشت كمثقف راق، مترفعا عن صغائر الحياة وتفاهة تفهائها، لم تبع قلمك كالآخرين في المهرجانات الرسمية ومسابقات قصص حرب قادسية صدام، عشت في هذه الدنيا وسط الخراب والدمار في زمن النظام السابق وبعده في زمن عصيب، مرتبطا ومحبا للحياة التي يحتاج حبها إلى شجاعة كبيرة. عشت في هذه الدنيا، وخلقت فيها صومعتك وديرك. ماذا كنت ستجد في الخارج غير الثرثرة والنفاق والتقارير السرية والموت اليومي المجاني.
عشت صامتا عن صغائر الحياة، ألست أنت القائل (الصمت يحتاج إلى موهبة كبيرة)؟
عشت متطلعا نحو نيران باباكركر أقدم فنار في التاريخ لإرشاد الضائعين إلى كركوك.
ظللت متطلعا إلى السلام وسكينة الروح، لذلك فلم يكن غريبا ان يستضيفك في بابل (مملكة الانعكاسات الضوئية) كبير الآلهة مردوخ، وان يقول لك الإله شازو:
ـ يا ضيفنا المحترم جليل القيسي عند الفجر سيكون أول لقاء لك مع هيراقلطيس..
ولم تجد إلا أن تقول له بلهفة:
ـ هل عم السلام العالم؟

______________________

أيـهـــا الــورّاق

المصدر: الزوراء   
21 / 10 / 06
faisel5934.jpg

الى الراحل : جليل القيسي  

غادرت قلعة كركوك
والقلعة التي فيك
         الى قلعة ثالثة
اظنك تأكدت الان 

  من ان الشيخوخة
          لاتدشن الثياب
لهذا........

جمعت الحلم والصهيل
           تحت عباءتك
وقطعان الجدائل السارحة 
          على الوسائد
    ثم واصلت سفرك المعتاد
هكذا انت دائماً
           قطار شارد
ابداً تظل عجلاته على القضبان
محطاتك دائخة بالصفير
وفضاؤك دائخ بالدخان
         وكأسك بالسكر
 انت الشارع الذي
لا تستطيع ان توقفه المارة
تتبعك ورقة خضراء
        من صفصاف صباك
وظل أثر خلفك
مثل شرخ في خزف صقيل
ايها الوراق
لقد عشت وحيداً
ومن عاش وحيداً
عمّر طويلاً
انت الان قابع هناك 
المطر الناضج في الوعاء
والحبر النادر في الجوار
الوقار غطاؤك
والشهوة فيك حيوان اخرس
فخذ لسانك معك
فالصمت هناك له دوي
هذا كرسيك امامي يترجرج
اطاره مزخرف بالنبوءات
 وذراعاه تستبق كل وداع
  فلماذا ابكي اذن
       انا لم افقد احداً
 كم من الناس
  قد انتهوا سريعاً
    مثل حنطة الشتاء
    ثم اندلعت اسماؤهم 
     على لسان التاريخ


ببلوغرافيا

في الشعر
صدر له (شباب سراب)عام 1964 ، (مهر لعيناها) عام 1965، (لو ينطق النابالم)عام 1967 ،(انا وهواك خلف الباب ) عام 1970 ، (لم يأت امس سأقابله اليلة )عام 1975 ،(البقاء في البياض ابدا) عام 2005
وفي المسرح الشعري
صدر له (ثانية يجيء الحسين )1973 ، (مسرحية ذهب ليقود الحلم )2002 ، (مسرحية نوح لايركب السفينة)،(مسرحية الحرية بكف صغير ) وفي المسرح النثري صدر له (حينما يتعب الراقصون)،(وادرك شهرزاد الصباح )،(احدهم يسلم القدس هذة الليلة)
حصل على جائزة الدولة للابداع وقلادة الابداع سنة 2002 عن الدراما السمعية

 

from: www.mafhoum.com

كركوك تحتفي بجليل القيسي.... عبقرية فذة دافعت عن قيم الانسانية.... البراغماتية مذهب فلسفي تجاوز الأخلاقية والمثالية....
18/09/2005

                          


المدن لاتنسى مبدعيها       

كركوك تحتفي بجليل القيسي

 

نصرت مردان

جنيف

شيء طبيعي أن يعشق كاتب أو شاعر مدينته ، وأن يقيم لها ولائم  وطقوسا سومرية في أعماقه احتفاءا بها. ومثل هذه الطقوس تكون بدون شك أكثر بهاءا وإشراقا حينما تكون تلك المدينة ، كركوك ،مدينة النار والنور والأساطير والملاحم ، المدينة التي تعالت دائما مثلما تتعالى اليوم على جراحاتها عبر تاريخها لتحتفظ  بطابعها الذي لا يتشابه مع أي مدينة عراقية . . ولعتزف سمفونيتها الخالدة التي تعزف على كل الأوتار والمقامات . لتظل تحتفظ بخصوصيتها الفريدة وأسرارها الباطنية التي لا يعرفها إلا من عاش في كنفها مغازلا النجوم في سمائها القرميدية التي تحمل لهيب ( بابا كوركور) تلك النيران الخالدة ، التي ظلت تحمل النور منذ عشرات القرون ، والتي لم يستطع الطغاة والمحتلين التي توالوا على هذه المدينة الخالدة عبر تاريخها الصمود أمامها . ولى الطغاة وبقيت ( باباكوركور ) حارسة للحياة والبهاء في هذه المدينة.

ان العلاقة بين كركوك وأبنائها من الكتاب والشعراء تتجاوز بأميال وفراسخ تلك العلاقة الحميمة بين أي مدينة عراقية وكتابها . فارتباط الكتاب والمبدعين الكركوكيين ، ارتباط من نوع آخر . نوع غير مألوف من الحب والوله والهوس . وبطبيعة الحال حجم هذه العلاقة يختلف إذا كان المبدع هو من طراز القاص المبدع جليل القيسي ، الذي أبى إلا أن يبقي حبله السري متواصلا ومرتبطا بمدينته منذ عقود . حيث لا وهن ،ولا شكوى ، ولا تذمر . رغم مامرت وتمر به المدينة من آلام  ومصاعب وويلات وتطاحن وتناحر ومحاولات الاستحواذ عليها لتنفيذ أجندات سياسية معينة. جليل القيسي الذي يقول في احد لقاءاته :


" اجل، أنا ابن كركوك.  ولدت و كبرت، و عملت، وبصبر رواقي سقراطي . كتبت في هذه المدينة الناعسة الناعمة.  لا يستطيع ان يفهم هذه المدينة الرائعة إلا الكركوكي الحقيقي، لأن المدينة مثل آلة كمان الغريب عنها يمتلك العزف على وتر واحد فيها حسب، بينما الابن الحقيقي لها يعزف بتلقائية على أوتارها كلها و يخرج لحناً هارمونياً جميلاً…

لقد أحببت، و مازلت، و سأبقى أحب بهوس مدينة كركوك.  أحب كرده، تركمانه، اثورييوه، أرمنه، و صابئته. .  عندما تعشق مدينتك عشقاً حقيقياً تفرق بسرعة آهة فيها عن آهة أخرى.  ان زفرة حب مدينة كركوك تكون مثل النار. .  كركوك مدينة سيمفونية من اللغات. .   إنني منذ صغري أحببت كركوك و بقلبي بالفطرة عرفت شرائع هذه المدينة. .  و لأن العقل مطواع قابل الميل إلى كل اتجاه، لذلك يدفعه كل شيء إلى الخطأ. .  أما قلبي مع كركوك فلم ولن يخطئ معي. .  أنا و كركوك (كحبتين من قشرة لوزة). .  المجد لكركوك و لكل قومياته، و أطيافه   "

 

ان حب القيسي لمدينته الأثيرة كركوك ، لا يقف حائلا أمام عشقه وهوسه بالوطن وتراث أجداده من السومريين والبابليين والأكديين والآشوريين ، والاحتفاظ في أعمق نقطة من ذاكرته بتفاصيل ملحمة كلكامش ، التي لا يفتأ يذكرها بالتبجيل في معظم لقاءاته ، كنقطة مضيئة ومتوهجة في تاريخ العراق الإنساني والحضاري.

لقد اهتم جليل القيسي قاصا وإنسانا بمملكته ( مملكة الانعكاسات الضوئية) ، حيث جعل كركوك مزارا للعباقرة من أحبائه ، فهي المدينة التي زارها ديستوفسكي ، وحل ضيفا على القيسي في إحدى أمسيات كركوك .

كان جميلا أن يأتني وسط الأخبار التي لا تحمل من الوطن إلا الانكسارات والخيبات لأحلامنا وأمانينا  أخبار تزيد فضاء روحنا عتمة وتشاؤما . أن يأتيني خبر الاحتفاء بجليل القيسي مبدعا وكاتبا أصيلا ، وإقامة أمسية واحتفالية تكريم لإنجازاته القصصية والمسرحية تحت اسم ( يوم جليل القيسي في كركوك ) من قبل جمعية الثقافة للجميع بكركوك بقاعة فندق ( الديوان)، أدارها الكاتب عدنان القطب وهو من الوجوه الثقافية المعروفة . ألقيت خلالها محاضرات  وبحوث عن إنجازه الثقافي المتميز. حيث ألقى الكاتب والشاعر قحطان الهرمزي بحثا عن مجموعته القصصية ( معا في قارب واحد) ودراسة بعنوان ( السمات الشعرية في قصص جليل القيسي القصيرة جدا ). كما ألقى الباحث سنان عبدالعزيز عبدالرحيم  صاحب رسالة الماجستير المعنونة (القصة القصيرة عند جليل القيسي - دراسة نفسية وفنية) ، دراسة بعنوان ( القصة القصيرة لدى جليل القيسي ).

تخللت الأمسية عزفاً للموسيقار الأستاذ جليل الوندي لمقطوعة : عمر خوراساني للفيلسوف ( أبو نصر آوزلوغ الفارابي ) ، وكذلك قيام الفنان ياوز فائق بتمثيل مقطع من (مملكة الأنعكاسات الضوئية / رؤية خاصة) .. فيما قرأ الأديب المحامي علي شكور بياتلي بعضاً من قصصه القصيرة جداً المهداة إلى القيسي . ليلقي بعده  الدكتور سامي النعيمي كلمة المشهد الثقافي في كركوك .. قبل أن يختتم الأستاذ الوندي الحفل بعزفه مجدداً للأغنية التركمانية التراثية :

قلعه نن ديبينده  بير داش اولايديم

ليتني كنت حصاة في أسفل القلعة ( قلعة كركوك)

وكم أسعدتني صور الأمسية ، وأنا أرى ابتسامة جليل القيسي وسعادته وهو بين محبيه !

أقول كما قلت في كتابة سابقة لي ( متى تزهو شوارع كركوك باسم مبدعيها ؟) ، متى ستحمل شوارع كركوك شذى أسماء محبيها الأوفياء من كتابها وشعرائها ؟ ومتى ستزهو تلك الشوارع باسم جليل القيسي وفاضل العزاوي وسركون بولص وعطا ترزي باشي وغيرهم ؟

أقول صدقا ان خبر الاحتفاء  بجليل القيسي وتكريمه في مدينته كركوك ، أسعدني حقا، وأعاد إلى ذاكرتي صورة لقائي الأول بالقيسي في مساء كركوكي آخاذ ، حيث فتح لي باب بيته بتواضع الفنان المبدع ، وأنا لأزال مجرد مراهق يكتب القصة ، حين زرته مع صديقي العزيزين : حمزة حمامجي وإسماعيل إبراهيم اللذين كانا قد تعرفا عليه سابقا . تصرف معي في ذلك المساء بنبل وتواضع ،أطلع على إحدى تجاربي القصصية الساذجة . وقرأ لنا قصته التي لم يكن قد نشرها آنذاك ( أكس ديوس ماشينا ) ، وكأنه يريد ان يوميء لي وبدون أن يشعرني بالحرج ( هكذا تكتب القصة يا بن مردان !  ) . . توالت لقاءاتي معه بعد ذلك كثيرا ولم أجد عنده إلا السمو الرقي في السلوك والإبداع والتعامل اليومي مع الآخرين ، والتعالي عن الصغائر .

ظل جليل القيسي بعيدا عن ولائم وزارة الإعلام في العهد البائد ، وبعيدا عن مكرمات القائد الضرورة. مخلصا لإبداعه ، منزويا في مملكته الضوئية يتابع الكتابة والإبداع بإصرار وجلد بصمت في مدينته كركوك . دون أن يحيد قيد أنملة عن وفائه لإبداعه وإخلاصه له. فاستحق بذلك أن تمتد شهرته إلى خارج مدينته ووطنه ، محتلا مكانة رصينة ومرموقة في ذهن المثقفين العرب ، دون أن يكون وراءه إلا موهبته الأصيلة التي لم تخذله قط .  

from: http://www.elmaqah.net

جليل القيسي ...حكواتي ارانجا وساحرها القديم

علي حسن الفواز

ثمة ما يجعل الكثير من النقاد يقفون عند تجربة القاص جليل القيسي بنوع من التأمل العميق بحثا عن عوالمه الغامضة واسراره التي تصطنع لها شفرات خاصة وامكنة اكثر توهجا بالانسان الحالم والمتمرد ،،وهذا ما يمنح تجربة القيسي اغواء ،ليس باتجاه الكشف عن الخصائص السردية والبنيات الحكاية في كتاباته حسب بقدر ما يفضي الى (كشوفات) اخرى للزمن السياسي وارهاصاته واسئلته باعتبار ان القيسي جعل من هذا الزمن اطارا لكشف جوهر القمع والاقصاء الذي يواجهه الانسان بحثا عن حريته ووجوده ..
المكونات السردية في تجربة القيسي تملك خصوصية بنائية واسلوبية لاتعمد الى التوظيف الحكائي الافقي القائم على اساس انثيالات الفكرة وتراكم الاحداث ،وانما ينزاح الى تفكيك هذه البنيات وتوزيعها عبر تركيبات تتصاعد كرؤى متعددة واصوات متعددة في داخل النص القصصي على اشكال رؤى واصوات داخلية وخارجية ، حتى تبدو وكأن تركيبها البولو فوني هو الجوهر الباث لحيواته وافكاره والصانع الماهر لامكنته الموغلة في جغرافيا الزمن السياسي والزمن الحكواتي ...
وحين مات جليل القيسي ساحر آرانجا *!! انكشفت تلك الحكايات عن نبوءة كان يرسلها عبر قصصه ، حاملا معها توجساته القلقة من ان مدنه وسجونه الموغلة بعيدا هي حاضرة في كل زمان سياسي لا يؤمن بالانسان وحريته واحلامه ، وان زليخا القديمة هي ذاتها الجديدة التي ترتكب خطيئة الجسد والغواية والقميص ،وان العزيز القديم هو ذاته الذي يصنع السجون والطرد والاخصاء للانسان ....
لقد حفظت لنا قصص جليل القيسي وطوال سنوات نمطا من الكتابة المتوترة ،العميقة في توصيفها والمحرضة على التمرد ،،،ابطاله من المغامرين الباحثين عن معنى الوجود والحرية نتلمس وجودهم في ابطال الاساطير والروايات التراجيدية ، اذ هم يحملون رؤاهم العالية لكنهم مكسورون بالقسوة والقمع والانسحاق ...
مات جليل القيسي الساحر والحكواتي الغائر في غواية الامكنة ،،والعالق على حيطان آرانجا كأنه احدى ايقوناتها ،،،،هو لم يبارحها منذ ان جاء ابوه (المغامر) الى اغواءات هذه المدينة المشتعلة والغامضة ،،اختلط بذاكرتها وبلبلة لغاتها وانوثة نسائها ..
تشكلت طفولة جليل القيسي وسط هذه البانوراما المدينية المدهشة ،،كبر عند سفوحها دون (اوهام ضالة)،،، كل ما فيها كان يؤجج روحه بالاسئلة ! ويفتح ذاكرته الغضة على عالم محدود في (عرفة)** تلك المدينة الضيقة والانيقة والملتبسة !!! لكنه بالمقابل كان يتسع لحيوات ضاجة ولغات تفور بها تلك المدينة والتي بدأت تتسلل من شقوق الامكنة والهويات المخلوطة فيها ،تتشابك عند يومياته وذاكرته دون خدوش او عطالة في المعنى او الافصاح ، انها في حوار صاخب ابدا ..
لم تفارق القيسي لعبة الكشف عن اسرار الامكنة واللغة والحيوات الغائرة للمغامرين في هذه المدينة ،كان مهووسا بتأمل هذا الضجيج والتشابك باصواته ولغاته ،ربما ادرك انه في زمن معرفي لايتكرر ، تسلل بحرفنة الطفولة وشغبها الى ماتحت جلد هذا الزمن ، مارس سحرية الحاوي والمهرج والحالم بحثا عن سرانية المدينة الكبيرة (ارانجا ) المفتوحة على الاخرين والتي لم تطرد احدا من مغامريها ...
لقد اصبحت آرانجا مدينته الكونية التي اخذته بعيدا الى كونية المعرفة والسحر ،لم يشأ ان يتركها دون ان يصيبه الحنين !! اذ عاد اليها عجولا شغوفا حينما خذلت ( هوليود ) احلامه في ان يصبح نجما سينمائيا على طريقة الساحر الاخر ( كلارك كيبل )،اذ كان مأخوذا بهذا العالم الغريب والمليء بالدهشة !! 
جليل القيسي نسيج من ( الابداعات) المتعددة ، يكتب بطريقة استثنائية وصاخبة ، لكنه يفكر بصمت وفرادة غريبة رافقته الى سنواته المتأخرة !! اكتشف مبكرا مع مجموعة من اصدقائه (الارانجيين) صلاحية اخرى للكتابة تحوز على شروط السحرية والعبث والتمرد و(التبلبل) في اللغات الاخرى التي تضج بها المدينة دون حساسيات او عقد عصابية أو لغوية ...
لذا كانت (جماعة كركوك) صناعة استثنائية في هذه الكتابة وفي الزمن الثقافي ذاته مثلما كانت كشفا عن تشكيل ملامح غريبة لاصطناع ( العائلة الثقافية ) تلك التي تملك جينالوجيا غرائبية !! تجذبه اليها بنوع من المراودة ، تتمثل حوار ابنائها والفتهم وحميميتهم باغواء غريب ، لكنها تمنحهم صلاحية التمرد والخروج بقسوة على مألوفات المقايسة والادلجة التي كانت تضج بها حياتنا الثقافية العراقية في الستينيات ....
واعتقد ان هذ ه المرجعيات المضادة هي التي جعلت النص القصصي الذي يكتبه جليل القيسي نافرا وغير مألوف ،و ربما يملك جنوحا للتمرد على عن يوميات الكتابة السردية والواقعية باتجاه الكتابة المغامرة النافرة والتي تهجس بقسوة التحولات الاجتماعية والسياسية وانكسار الحلم الرومانسي ، اذ هي تشيء بواقع كابوسي ونكوصي ، وابطال مستلبين مطرودين يبحثون عن احلامهم وحرياتهم ، وامكنة يشوبها القلق والموت ، وكأنه بصناعته لهذه الامكنة الطاردة يحافظ سرا على مكانه (الآرانجي) الحميم والحالم ،،،ولاشك ان هذه التحولات السردوية اجترح لها القاص خصائص وتقنيات جمالية واسلوبية وربما رؤى غائرة لايمكن تحديدها في اطار ما تعارف عليه النقاد في قراءة مرحلة الستينيات المحتشدة بالتجريب والمغامرة ، لان القيسي ورغم تمثله لبعض شروط هذه (الوصفية النقدية) الاّ انه تميز بكتابة النص القصصي المفتوح الذي يقارب في سرديته المركبة الكثير من خصائص( خطاب الشعرية) بوصفها روح الشعر/ الكتابة الذي يؤجج نصه بقوة الروح والفكرة واللغة ،، وربما كانت هذه الفكرة هي ذاتها التي قال عنها الناقد د. شجاع العاني بان القاص جليل القيسي يكتب ( القصة الثقافية) اذ انه (لم يعد يتناول في قصصه تجارب واقعية ولا شخصيات انسانية من الواقع باستثناء شخصية غاليا ، وانما صار يلجأ الى استثمار ثقافته الادبية والفنية والتاريخية مادة اساسية في قصة تقوم على نصوص الاخرين وقد وظف القيسي في قصته الكثير من مطالعاته وزيّن متنه القصصي باقوال من الاغريق والفيلسوف الالماني شوبنهاور والفيلسوف الصيني كونفو شيوس وعرّج ثانية الى الفلاسفة الالمان ،فقد اورد مقولة لنيتشه/ الحياة امرأة/ ثم تتدفق كلمات للشاعر الاسباني رافائيل البرتي ، والاثير دوستوفسكي يذكر اسمه فهو ضيف حميم على كتابات القيسي و لاينسى الشاعر الانكليزي شيللي ،/ان السيطرة مثل الوباء الجارف تلوث كل ما يلمسه/)1 
ان محمولات البنية القصصية التي يعمد القيسي الى توظيفها تنحو باتجاه تمثل كتابة هذه البنية على اساس انها فكرة جوهرية عند الانسان /البطل ،اذ ان ابطاله واعون جدا لازماتهم العميقة ازاء الوجود والذات ،قلقهم قلق فلسفي ،لهم اسئلتهم ولهم تغريباتهم، وكذلك هي بنية نصية/ سردية تفترض نمطا من التدوين المركب الذي يجعل من البنية السردية بنية باطنة تحمل في مكنونها الكثير من الشفرات والدلالات ، ولعل هذا الانتقالات هي التي جعلت كتابات القيسي مع بعض مجايليه مؤشر على التحول الكبير في السردية العراقية ودخولها مرحلة التجريب الميتا واقعي ،،،،
وهذا ما تجلى في اغلب كتاباته بدءا من مجموعتيه ( صهيل المارة حول العالم )و( زليخا البعد يقترب ) وصولا الى مجوعته الاخيرة (مملكة الانعكاسات الضوئية )
ان خصوصية ( البنية القصصية) على المستوى السردي والتوصيفي رغم جوهريتها ،فهي عند القيسي تؤشر لانزياح فني وبنائي يستثمر فيه تقنية التجريب (الروائي) الخاصة بالوظيفة الصوتية ،وتقنية ماوراء السرد ، اذ يجد في التقنية الاولى مجالا لتركيب مجموعة من الاصوات في اتجاه واحد يتمحور حول جوهر (بطله) ورغم ان هذه التقنية تبدو ثقيلة في القصة الواقعية، لكن القيسي يضفي عليها نوعا من الانثيالات الوصفية والسحرية بما يجعل النص القصصي قابلا للتمركز على فكرة تتجوهر فيها مجموعة افكار ثانوية لها تعقيدات ذهنية ووجودية ونفسية وكأنها تكشف لنا عن الطابع والمزاج النفسي الذي يعيشه القاص الذي لايملك في اغلب قصصه الاّ ان يفلسف علاقاته بالاخرين والسلطة والمكان ...
كما انه يحاول في التقنية الثانية ان يجرب تقنية اكثر تعقيدا في مجال تعدد مستويات السرد داخل المتن القصصي وهو ماوراء السرد ،حيث تتشكل ملامح بناء الشخصيات على اساس تركيب مستويات متعددة ،يبرز فيها ضمير المتكلم مع ضمير المروي له،وهذان الصوتان يتداخلان ليس في صنع زمنين متضادين ،اذ ان الزمن هو زمن فلسفي اكثر منه وجودي، وانما في صنع مستويات بنائية متداخلة ومتراكبة ، ففي قصة (انجيلكو)2 تبدو هذه التقنية واضحة يتداخل فيها مستوى القص السردي العادي مع مستوىالسرد الثانوي الذي يقوله بطل الرواية (في القصة ) وطبعا هذا المستوى ( لايحقق للسرد القصصي معادله الموضوعي الاّ حين يوجد القاص نظام عال للسرد تضمحل فيه المسافات بين الماضي والحاضر)3 واعتقد ان القاص جليل القيسي قد تمكن من تخليق مركزية (سردوية ) مقابل وجود مجالات سردية ثانوية ،لا زمن مستقل لها ، لكن احداثها تصب في المجال الموضوعي للبطل/ المركز...
ان خاصية القصة الثقافية التي يكتبها القيسي كانت لازمة لاغلب قصصه الاخيرة ،وكأنه يحاول من خلالها بيان قدرته الفائقة والتعويضة على مقاربة حيوات (استعاراته) لتكون فعلا اشباعيا تتوازن فيه وحدته القاسية وغربته الداخلية مع العالم الصاخب والضاج بالموت والحروب والقمع والهجران !!انه صانع الفات بامتياز ،،،اصوات ابطاله (الاستعلائيين) والمتمردين تملأ النص ،،، يدعو هم بافراط لمشاركته لعبته القاسية في الوحدة ....
ان الساحر والحكواتي جليل القيسي صنع موته مقابل عزلته !!! الموت الفيزيقي لم يكن يعنيه شيئا ،فهو يمارس نسيان العالم والامكنة كل ليلة ويستحضر (ارانجا) وطقوس ( الارانجيين) يبادلهم احلامه ووحدته ومراثيه ، يكتب عن زمنه (الغائب) بنوع من التورية المعرفية ،اذ لانجد ثمة فراغا في تدوين يوميات هذا الزمن ،ولانجد ترهلا في طقوسه او حتى في نسيجه اللغوي/ البنائي ، انه يكتب بحرفنة غريبة ، الواقع بين يديه يفقد تدفقه العابر ، يتحول الى واقع اخر له اسراره وغرائبه وطقوسه ،وكأنه يقول تلك هي صناعة الساحر والحكواتي ،اذ يلملم وقائع الاخرين وربما واقعه الخارجي المكشوف والمباح عند جعبة الساحر الذي يتلبسه ليخرج منها طيورا وطقوسا ونصوصا غريبة لايفك شفراتها الاّ من يدرك سرانية العالم الداخلي للارانجين القدامى..
مات هذا الساحر بصمت مريع ، اراد ان يلحق صديقيه القديمين مؤيد الراوي وجان دامو ،وليترك لنا أثرا غائرا لكنه قاسي !! من الاسرار والصحائف الطلسمية التي تحتاج الى قراءة اركولوجية وقراءة ذهنية ،وقراءة نقدية تكشف بمجملها عن حيوية النص الذي كتبه جليل القيسي ،كونه شاهدا على زمن الهجرات وزمن التحولات وزمن انهيار الاسرار وانكشافها على فضائح الجسد والروح والمدن ....
مات جليل القيسي في لحظة الموات التاريخي .....مات وكأن موته احتجاج على عالم بفقد توازنه ويرحل في زورقه السكران الى لجة غائرة .

 الاسم الاسطوري لمدينة كركوك 
• مدينة مشهورة في كركوك يسكنها العاملون في الشركات النفطية
1 د. شجاع العاني ..مجلة سردم العربي العدد12 ربيع 2006 
2 قصة قصيرة نشرها جليل القيسي في مجلة الاقلام العدد 4 سنة 1998 
3 د. مهند يونس / مجلة الاقلام العدد4 سنة 1



Letters from Jalil al qaysi

Letters from Jalil al qaysi

Cover of the book (goodbay to poems)-Baghdad1988

Cover of  the book (goodbay to poems)-Baghdad1988
- غلاف كتاب - وداعا ايها الشعراء

---------------------------------------------------

---------------------------------------------------
photo - kirkuk

poem from Anwar Alghassani elaph.com


الى أبي أُسامة جليل خليل القيسي

عَضلةُ عَضد كَ نافرةً من كمِ القميصِ أراها

*

تُجلجلُ بالضحكِ حاملا جمجمةَ أرسطوتستشفُ (.....) لاعبي النردْ في "المجيدية"عند المسدسا تْ قوسُ قزحِ الزيتْ ماءُ نيسانْ (...)الشايُ، شيخوخةُ بخارهْ.أنتَ!أنتَ الجاعلُ بُعدَ سيدةٍ تُدعى زُليخةْ يقتربْ.

*

تُطبطبُ بكرةِ السلّةِالسفرةُ الى IPC- Training Centre- حرارةُ الشاي بالحليبْ -قصيرةٌ حتى وان كانَ سيدُ تلك الأروقة مجهولا - .في شوارعِ كركوكَ تخطوفتتهاوى من حولك الأبنيةُ كي يتنفسُ الحجرُخليلُ تلكَ الأرضِ (قَيّريةُ السماءْ)النائيةُ عن شبيهاتها في الاعتقال آمنةٌ انتظرتْ أوبتِكَ من نيويورك وبيروت بغداد الى المثوى:السَمومُ على الجماجمْ الشرطةُ الموتى، الرُطوبة في القُحوفْ:نصلُ كركوك - المدينةُ الشفرة.

*

تَرُشُ هواءً لتتحكم بالنارْ،في عصفها على الذهب وهذا على فلذةِ صخرٍ تَرقُبُها الأراملْ و/ أو المرأةُالمتفاخرةُ بيومها المجلوفْ والأخرى الحاملةُ نتفَ حياةٍ:أُسرَ الزوجُ الذي تعوزهُ الجواربْ فتهاوت الى الحَدْبِ على الصغار وعلى الأماسي إذ كانَ يعودُ بوهمِ الطعامِ في سرواله.

*

(أما زلتَ تذهبُ الى بغداد؟أتعودُ محترقَ المُهجةِ فتثقُ في الليلِ بأشباحِكْ، أيها الشهيدْ؟)

*

أراكَ مع فانُوسكَ وكتبكَ متربعاً تحت النجوم.وكيفْ؟أترتعشُ إذ تمرُ النسائمُ على الغشاوة الدكناء للأفلاكِ في ليل كركوك؟ليلُ تعرفُهُ، لا يريدُ أن يَفنى يعرُضُ رعباً ويأوي انقطاعاًونظراتَ الكركوكيين المتهولين بنجومهْ ليلٌ يتقارعُ مع مصيره قدام الذاكرةِ المختومةْ.

*

قضمةُ الغِريَنْفي الصباح المنقىصّهْ! صَه!لقد تبددَ الصًراخْ أما الذي ارتعبَ فقد قطعَ جبينَهُ بشظية زجاجٍ ومضى.

*

تعنّفُ العالمَ في الزنزانةْ تظنُ التعبَ يعتريكْ كلا، إنه الوهمُ الصلدْ التنفيذُ المحكمْ...وراء أبهة الوقائع.


مُراهقة كركوكيّة

ستتهرأ اللحوم وسيظهر عاجُ العظام في فساحة تحت الشمس وسيقع تحت ملائكية النجوم حدثٌ هو من طبيعة النهارومن شأنه أن يكون تحت الشمس وهو ربما قتلي وبالذات إذ اعتبرُربما واهماً، وأخيراً،ان الفرح في الأشياء قد حلَّ:السطوع في المخيلةكوجهيّ الأم والأبالمقلقين للضميراللحظات الحاوية اندحارها ثم موتها حين نتوق لأن تأخذناالى التخدر في مآويها عيونٌ وأذرعٌ مُحبة.

*

تأتي الى كفي حرارةٌتُريد السفوحَ على التكاوين قبل الخروج للتسكع.خارج الحيطانْ بعينين نصف مغمضتين في لحيظات التهذيب في الفيء(الأشْنةُ على كوزِ الماء المكسورْ)النهارُ المنبلجْ القادمْ / القائمْ قدوساً متفرداً عتياًالسائلُ القافعْ يجلو العقول لتكون شُهوداً على القتل فنتسلى، كحق مكتسبْ،اللحظةَ هذه، بالشاي.لحظاتُ القدوم من طريقٍ وراءه نسوةٌ ساخنات لا يبذرن توقهنْ خَطوٌ ذئبيْ وارتعاشٌ أمام الأبوابْ ثم انعطافٌ فانزلاقٌ الى الفراغ والوحشةْلقاءاتُ التساقي بالأحاديثْ معاينةُ الوجوهْ.


زينب ص.

أمامَ قِططهمْ وأفاعيهمْ عندَ النيل او في حرش البرد يّبلغَ البحرُ وجهَكِ.أُمتُحِنتِ قسراً أو اختياراتبوأتِ بعدَ التحولات عرشاأمضيتِ، أيتها الخجولْ، الوقتَ تتأملينْ.

*

في حفل الصيدِ والافتراسْ رأيتِ البطَ يخذُلُه الهواءْيصطدمُ بالجليدِ ويهوي في الظلامْ ورأينا إذ جئن ايدَكِ في الماءِ وسمعنا،لعلْ، لعلْ...
*****************************************************
جميع القصائد مكتوبة خلال العام 1993، باسثناء "سيدة كاملة..." في 1994
وكلها مأخوذ من مجموعة تحت قيد النشر: "أناشيد الروح العراقية الهائمة"

_______________________________________


From: alnoor.se

********************************************************
جليل القيسي غدآ يجب أن أرحل ؛

عصمان فارس

رحل الكاتب العراقي جليل القيسي مبدع القصة والمسرح وبرحيله فقد ت الساحة الادبية العربية والعراقية قامة من قامات كتاب القصة والمسرح أجهش بالبكاء على رحيل الاحبة والاصدقاء من المبدعينوأعيش حالة الصمت، وأغلق باب غرفتي ،ويتحول العالممن حولي الى جثة هامدة والارض يكسوها الظلام الدامس ،أشعر كأن شيئآ قد تنحى عني فجأة أو عزيزفارقته وفقدته، وأدخل رواقآ خالي من أي نبض، وأختليمع نفسي خاويآ ، حزينآ، وحيدآ كل مايحيط بي موغل بالحزن والصمت والوحشة ويبدوا كقبو مهجور،ويعود الكون الى ظلمته الفاجعة ،وأنا بحاجة الى سماع موسيقى هادئة. مرت دقائق وأنا ساهم ، وأحاول تذكربطريقة التداعي الفلاش باك لأخر لقاء وكان عام 1990 قضيت ثلاثة ليالي في بيته في مدينة كركوك مدينة النارالازلية والتنوع العرقي ومدينة الاخاء،عرفته والتقيته للمرة الاولى سنة 1986 عندما دعوته للحضور الى مهرجان المسرح الكردي في مدينة السليمانية،عرفته كاتبآ مدهشآ، ويتمتع بكبرياء وثقة بنفسه متواضع ويحب لغة الصمت ،صريح ويناقش بلا تردد ولاتعقيد ولايتصنع مبرمج، كان كل شيئ فيه يتنفس بحرية، وأحيانآ كنت أحطم الحواجز بيننا وأحاول أن اناقشه وبكل صراحة حولكتاباته خاصة مسرحيته جيفارا عادافتحوا الابواب؛صدقني ياصديقي جليل جيفارا لن يعود وإذا عادلجعلنا أبوابنا مشرعة أمامه،وتمتع الكاتب جليل القيسيإنه محاور ذكي وكانت أسئلته تنهال في زخة واحدة عندما يدخل في سجال أدبي أوفني، باغته الموت كما باغت الوطن ومدينته كركوك والتي تعلق بها واحبها بجنون رغم الموت يشع في كل أرجائها ولم يحلق بحريةأكبر ويمضي بخطى حثيثة وثابته بإتجاه الموت وكان له ذلك في النهاية. سنويآ كنا نلتقي في مهرجان المسرحالكردي ويشعر بالسعادة وهو يتحاور ويلتقي بجمع من المثقفين والاصدقاء المرحوم الكاتب يوسف الحيدري،عبدالله السراج،ياسين النصير،محمد البدري،عواد علي،عبد الستار ناصر بل المئات من المبدعين والمعجبين، ماعرفته عن جليل القيسي انه ولد من أم كردية وأب عربي وزوجتة أرمنية،هكذا كان العراقمتأخيآ خالي من كل أوباء وأمراض التفرقة والتي هشمت ودمرت نسيجه الاجتماعي. لاأجد الكلمات التي تعبر بأكثر دقة عن حقيقة هذا الكاتب والانسان الرائع والمبدع في فن كتابة القصة والمسرح، عشنا زمن إستفحال الحروب وإشتعال نيرانها في كل مكان، إنتهى الحلم الجميل وإنقطعت أخبار الكثير من الاصدقاء المبدعين ، وكان لابد لكل واحد منا يفوز برأسه وتفرق الجميع هذا هو زمن الحرب والحصار والجوع، ومشاهد الذعر المنتشر في الشوارع والازقة المسكونة بشبح الدمار وفقدنا جذوةالحياة وننتقل من مكان الى مكان وبلاهدف كالوحش الجريح، وكان رحيلك ياصديقي جليل القيسي يوم كئيب وداكن يرشح بالكأبة والسأم، فالوطنموحش حد الاختناق ويعيش المثقف العزلة والخوف والتهميش ومع ذلك أصر جليل القيسي البقاء والوفاء لمدينته كركوك الخالدة رغم المجاعة والحرب وعصاباتالموت والانتقام، وقثامة الحياة وثمرة الفوضى التي تسيطر على البلاد التي تعاني شقاء كبيرآ وما الذي تمثله في الواقع أسرة مسرحيته مرحبآ أيتها الطمأنينة,والمدينة مدججةبالسكاكين. عاش الكاتب جليل القيسي جحيم الواقع وسعير جنونه وانسحب ذلك على مؤلفاتهوخاصة في الليلة الاخيرة للوركا،وداعآ أيها الشعراء،زفير الصحراء،طوفان الفرح،عذراء بريئة،وحرب طروادة،شفاه حزينة،انه خادم مطيع،في زورق واحد،صهيل المارة حولالعالم،في إنتظارالابناء الذين لن يعودوا الى الوطن ثانية.رحم الله كل الراحلين

...........................................................................................................

----------------------------------------------------

----------------------------------------------------
(انا وكركوك حبتان في قشره لوزه (جليل القيسي

From: mesopotamia.com

_______________________________________________

القيسي :
انا كركوكلي من اب عربي
وام كردية من عشيرة زنكنه

حوار نوزاد أحمد أسود/ السليمانية:
جليل القيسي (1937- كركوك) غني عن التعريف، فهو قاص مبدع و معروف على مستوى الادب العربي كله، و هو كاتب مسرحي كبير له مكانته المرموقة في ساحة المسرح العراقي والعربي، و كان احد اعضاء "جماعة كركوك" الادبية التي تأسست في ستينيات القرن العشرين في كركوك حيث كان لها دور بارز في تجسيد و تفعيل الحركة الثقافية فيها، و تضم الجماعة ادباء من الكرد و التركمان و العرب و الكلدواشوريين.
صدر له لحد الان ثمانية كتب من قصص و نصوص مسرحية لعل ابرزها "صهيل المارة حول العالم" و "جيفارا عاد افتحوا الابواب" و "زليخا، البعد يقترب" و "في زورق واحد" و اخيرا "مملكة الانعكاسات الضوئية"، كما له مجموعة قصص اخرى معدة للطبع ومحفوظة عند معد هذا اللقاء حيث يبلغ عددها ثلاثين قصة بانتظار طبعها من قبل أي دار للنشر او في أي مؤسسة ثقافية.
هذه مقاطع مما ذكره عن مدينته كركوك في حواره الطويل:
افتخر انني من اب عربي و ام كردية من عشيرة زنكنة. . كانت والدتي انزه قلب عرفته في حياتي و اصلب من عرفت في المواقف الصعبة. كانت لها ارادة صلبة لا تفتر ابدا. . اما والدي، فكان هادئاً، طيباً، وديعاً، مسالماً نزوع الى الانزواء، و حب الوحدة، و التأمل. . كنت حتى الثامنة من عمري لا اعرف سوى اللغة الكردية. و تعلمت التركمانية في الحارة التي عشت فيها و تعرفت في حياتي الدراسية على عدد كبير من التركمان الرائعين، و مازلت على صداقة حارة مع العديد من المبدعين منهم مثل قحطان الهرمزي، فخري جلال، عبد الرزاق شيخلر زاده، شكر البياتي. . انت تعرف ان زوجتي ارمنية و في حارتنا القديمة كانت ثمة العديد من الاسر الارمنية. .
اجل، انا ابن كركوك. ولدت و كبرت، و عملت، وبصبر رواقي سقراطي كتبت في هذه المدينة الناعسة الناعمة. لا يستطيع ان يفهم هذه المدينة الرائعة الا الكركوكي الحقيقي، لأن المدينة مثل آلة كمان الغريب عنها يمتلك العزف على وتر واحد فيها حسب، بينما الابن الحقيقي لها يعزف بتلقائية على اوتارها كلها و يخرج لحناً هارمونياً جميلاً…
جماعة كركوك. . هذه الجماعة التي ستبقى تاريخاً في دنيا ادب هذه المدينة لردح طويل من الزمن. . لم لا؟ و قد اعطوها الكثير. . ان الزمن يا عزيزي نوزاد هو الذي يوجد الانسان، لكن الانسان هو الذي يعطي الزمن قيمة. . و قد اعطينا هذه المدينة التي شاء القدر ان نرى النور فيها و ندفن في ترابها سرتنا القيمة.
سنة 1959 التقيت بأخي و حبيبي فاضل العزاوي. . . كان كشاعر يبحث عن سماء من اروع الكلمات. . انه احد الموهوبين النادرين من جماعة كركوك. . ثم التقيت بمؤيد الراوي، و هو طراز غريب من العناد، و الاصرار، و اللامبالاة. . اما جان دمو، الذي كتبت مقالة عنه في جريدة (بهرا) بعد وفاته، كان اخر من استطاع الشفاء من كآبته. كان لاشك موهوباً، لكن لاأبالياً، عبثياً، لاادرياً، سكيراً اشراً، بوهيمياً لم يستطع الاستفادة من نعمة موهبته، و لا من غنى سهول روحه اللا متناهية، ولان خياله الذي فعلاً كان احيانا بلا ضفاف. . و دخل انور الغساني الشلة. شاب هادئ، رصين، عملي و برغماتي حقيقي في دنيا العمل.
و تعرفت على الراحل و الطيب الذكر جدا يوسف الحيدري في نفس الفترة. زارني في دكان شقيقي الصائع الذي حكم عليه عام 1963 بخمس عشرة سنة لاسباب سياسية. . كان الاب يوسف سعيد اباً رائعاً و عاشقاً لأسرته. و اخيراً جاء صلاح فائق بعد فترة قصيرة قبل ان نفترق ايدي سبأ – كنا جميعاً باستثناء صلاح و يوسف نجيد اللغة الانكليزية، و نقرأ الروايات و نتابع الادب الحديث الذي اثر كثيراً في كتاباتنا، و بدأنا نكتب الشعر، و القصة، و المسرح بطريقة جديدة لفت انتباه الوسط الادبي في بغداد، و راحوا يقولون عنا (هؤلاء يكتبون مثل الانكليز. . كتاباتهم غريبة، معقدة، و جديدة. . ) هؤلاء هم يا عزيزي نوزاد جماعة كركوك. . إن تسألني عن اجواء كركوك الثقافية ايام صهيل المارة، و جيفارا، اه، كانت متوترة، مضطربة و قد سيطرت الرجعية السياسية على الاوضاع، و بدأت الاغتيالات العشوائية، و ضاعت الاحلام الوردية التي بنينا النفس عليها في ثورة 58 تموز. . اجل كانت ايام صهيل المارة شديدة البؤس و التعقيد والكابوسية، من هنا جاءت المجموعة و كأنها شريحة كافكوية. . لا غرابة كتب الشاعر اللبناني الكبير و الراحل حين قال اشهد ان كافكا عربي اخر ولد في العراق. . لقد احببت، و مازلت، و سأبقى احب بهوس مدينة كركوك. احب كرده، تركمانه، اثورييوه، ارمنه، و صابئته. . عندما تعشق مدينتك عشقاً حقيقياً تفرق بسرعة آهة فيها عن آهة اخرى. ان زفرة حب مدينة كركوك تكون مثل النار. . كركوك مدينة سيمفونية من اللغات. . لقد كنت دائماً رومانسياً في تعاملي مع هذه المدينة، و الرومانسي يكون ازدواجياً في ذاته حيث ينقسم الواقع بالنسبة له الى عالم مادي وروحاني، فحبي الروحي هو الذي اشعل عندي الحرية، و الجمال، و السعادة وحب الاخرين. صدقني كركوك قصيدة ضوئية، لديها دائماً القدرة على ان تنشر عبيراً روحياً، احتفالياً، ديونيزياً، و تحرض على التوهج. و بسبب غناها الكبير اقامت ومازالت للاخرين ولائم طوطمية. . فهل بعد هذا الحب لا تريدني ان اكتب عنها و عن ادق تفاصيلها. هذه المدينة التي عملت اربعين سنة من الكتابة لأجلها و لم تمنحني لحد الان أي شيئ بالمقابل. . اه، بطلات قصصي التي ذكرتها. . نعم يمتلكن روح نسر، ذاك النسر الذي وصفه اندريه جيد و قال عنه بأنه ضروري للحياة الروحية و الشعرية. ان هاتيك النساء الجميلات، الرقيقات، الكيسات، و العاشقات بحق شخصيات رائعة فتية.
انني منذ صغري احببت كركوك و بقلبي بالفطره عرفت شرائع هذه المدينة. . و لأن العقل مطواع قابل الميل الى كل اتجاه، لذلك يدفعه كل شيئ الى الخطأ. . اما قلبي مع كركوك فلم ولن يخطئ معي. . انا و كركوك (كحبتين من قشرة لوزة). . المجد لكركوك و لكل قومياته، و اطيافه

---------------------------------------------------------------

______________________________________

______________________________________
The cover of the last short story book from Alqaysi ( baghdad-1995)

From: Iraqiwriter.com

---------------------------------------------------------------

المدينة في قصص جليل القيسي، قراءة سايكو- سوسيولوجية (رسالة ماجستير)



تقديم
جلال زنكَابادي


ظل الكاتب المبدع الكبير جليل القيسي(1937-2006) مهمشاً ومغبوناً إلى حد ملحوظ، إبان العهد العفلقي الفاشي الشوفيني؛ إذ لم تنل أعماله القصصية والمسرحية ماتستحق من دراسات ونقود أكاديمية وغيرأكاديمية إلاّ النزر اليسير؛ ولاتخفى الأسباب على أيّ معني أو مختص لبيب وحصيف.
والآن هي ذي رسالة الماجستير الرابعة-على حد علمي- تتناول أحد جوانب أدب جليل القيسي، أما الثلاث السابفات لها، والتي تناولت أدب القيسي من زوايا ووجهات نظر أخرى فهي:
1-السرد في قصص جليل القيسي القصيرة، جاسم محمد جودة/ بإشراف الأستاذ الدكتور فائق مصطفى احمد/كلية التربية-جامعة الموصل، سنة 1998.
2- القصة القصيرة عند جليل القيسي- دراسة نفسية وفنية، سنان عبدالعزيز عبدالرحيم/ بإشراف الأستاذ الدكتور صالح علي حسين الجميلي/ كلية التربية-جامعة تكريت، سنة 2000.
3- عالم جليل القيسي القصصي-دراسة نقدية في فنه القصصي، خالد علي ياس/ بإشراف الدكتور شجاع مسلم العاني والأستاذ المساعد وليد شاكر نعاس/كلية التربية- جامعة ديالى ، سنة 2005.

ولعل المبهج في هذه المرة أن ينبري طالب كردي لدراسة جانب من جوانب أدب القيسي؛ فمثل هذا المسعى ينضوي بطبيعته تحت خيمة الحوار الثقافي المثمر والمنشود؛ في سبيل تعزيز وترسيخ الفهم المتبادل بين أبناء القوميتين الشقيقتين إبتداءً بالإنتلجنسيا...خصوصاً وإن نوزاد أحمد أسود ليس طالباً عادياً(مسلكياً) أو متطفلاً يتغيّا نيل الشهادة بموضوع يختاره بالصدفة أو يفرض عليه، وإنما هو أديب(مقالي، ناقد ومترجم) بل ولهان بعالم القيس وقد ترجم مجموعته القصصية(مملكة الإنعكاسات الضوئية) إلى الكردية قبل قرابة عشر سنوات، ومن هنا فهو ملم ومحيط بموضوع دراسته إلى حد كبير؛ مما مهّد ذلك سبيل نجاحه المشهود بدرجة(87%)(جيد جداً) عن رسالته الموسومة(المدينة في قصص جليل القيسي، قراءة سايكو-سوسيولوجية) والتي جرت مناقشتها بتاريخ 10/3/ 2008 في كلية الآداب جامعة السليمانية/ اقليم كردستان العراق، من قبل لجنة تألفت من السادة:
أ.د.ظاهر لطيف كريم (رئيساً)، أ.م.د.لطيف محمد حسن (عضواً)، أ.م.د.نيان نوشيروان فؤاد (عضواً) و أ.د.فائق مصطفى احمد (عضواً ومشرفاً)

لئن أشرت أن الباحث نوزاد أحمد ملم ومحيط بمجال بحثه المختار؛ فدليلي هو فهرست مصادره ومراجعه، التي بلغت(أكثر من 190مصدراً ومرجعاً بين كتاب ومجلة وجريدة ورسالة ماجستير..) بالإضافة إلى شمولية وعمق تحليلاته؛ فقد إستند مصدرياً إلى مجموعات القيسي القصصية الأربع:
1- صهيل المارة حول العالم، بيروت 1968.
2- زليخة البعد يقترب ، بغداد 1974.
3-في زورق واحد ، بغداد 1985.
4- مملكة الانعكاسات الضوئية، بغداد 1995.
مع عشرين قصة أخرى متناثرة على صفحات المجلات: الأقلام، آفاق عربية،الموقف الثقافي، الاديب المعاصر، سردم العربي(السليمانية) وباريش(الأربيلية)
وكذلك إلى الحوارات المجراة مع القيسي من قبل:جلال وردة زنكَابادي، جريدة (الجمهورية) البغدادية، 21\5\1972.و المحرر الفني في مجلة (الثقافة) البغدادية، العدد السابع، تموز 1974.و رعد مطشر، مجلة (الاقلام) العدد الثاني 1999.ونوزاد أحمد أسود، مجلة (سردم العربي) (السليمانية). العدد السادس، خريف 2004.و جريدة (الأديب) البغدادية.العدد (70)، آيار 2005.وكذلك رسائل الماجستير الثلاث في أدب القيسي والمذكورة أعلاه.
أما مراجعه التي ناهزت المائة والأربعين، فهي من أهم المراجع(المؤلفة والمترجمة) المتعلقة بمجال البحث بشموليته: اللغة، الشعر، الفنون السردية،النقد الأدبي،السوسيولوجيا، السايكولوجيا، الميثولوجيا،الديانات، التاريخ والجغرافيا.....والتي تدل على مدى إنفتاح العقل الثقافي الكردي على الثقافات الأخرى..ورغم ضيق الفسحة المتاحة هنا لاندحة من ذكر بعضها(الأقرب لموضوع البحث)مع إعتذاري الجم للمترجمين الأفاضل لعدم ذكر أسمائهم:
جماليات المكان في روايات جبرا ابراهيم جبرا،أسماء شاهين/ كركوك نامه، د. توفيق آلتونجي/ جماليات المكان، جاستون باشلار/ ظهور الكورد في التاريخ، د. جمال رشيد احمد/ فلسفة المكان في الشعر العربي- قراءة موضوعاتية جمالية، د. حبيب مونسي/ الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم، د. حسام الآلوسي/ حركية الابداع، د. خالدة سعيد/ ميثولوجيا الخلود، د. خزعل الماجدي/ معجم علم الاجتماع، دينكن ميشيل/ المدينة في القصة العراقية القصيرة،رزاق ابراهيم حسن/ سوسيولوجيا الادب،روبير اسكاربيت/ علم اجتماع الادب، د. سيد البحراوي/ المدينة دراسة في علم الاجتماع الحضري،د. السيد الحسيني/ جماليات المكان في الرواية العربية،شاكر النابلسي/ التبئير الفلسفي في الرواية-مقاربة ظاهراتية في تجربة سليم بركات، د. شاهو سعيد/ البناء الفني في الرواية العربية في العراق، ج2، الوصف وبناء المكان/ الردود السلبية للمدينة المعاصرة، د.طارق ابراهيم حمدي/ د.عبدالحميد المحادين، جدلية المكان والزمان والانسان في الرواية الخليجية، د. عبدالحميد المحادين/ حدود كردستان الجنوبية تاريخيا وجغرافيا خلال خمسة آلاف عام، عبدالرقيب يوسف/ التعايش السلمي بين الكرد والتركمان في مدينة كركوك، عرفان كركوكي/ التفسير النفسي للادب، د. عزالدين اسماعيل/ الزمان والمكان في روايات غائب طعمة فرمان،د.علي ابراهيم/ في النقد الادبي الحديث-منطلقات وتطبيقات، د. فائق مصطفى و د. عبدالرضا علي/ الروح الحية – جيل الستينات في العراق ، فاضل العزاوي/ توظيف الاسطورة في القصة العراقية الحديثة، فرج ياسين/ دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، قادة عقاق/ كركوك وتوابعها حكم التأريخ والضمير، د. كمال مظهر احمد/ مقدمات في سوسيولوجية الرواية، لوسيان غولدمان/ النقد التحليلي النفسي، مارسيل ماريني،ضمن (مدخل الى مناهج النقد الادبي) تأليف مجموعة من الكتاب/ رواية الاصول واصول الرواية-الرواية والتحليل النفسي،مارت روبير/ المدينة الفاضلة عبر التاريخ،ماريا لويزا برنيري/ الريف في الرواية العربية،د. محمد حسن عبدالله/ التنوع الإثني والديني في كركوك، محمد حسين الشواني/ ثنائية المكان-الاغتراب في أدب الرواقصصي،محمد ذنون الصائغ/ الرواية واليوتوبيا،محمد كامل الخطيب/ ثريا النص-مدخل لدراسة العنوان القصصي،محمود عبدالوهاب/ مدخل الى سوسيولوجيا الادب العربي،محيي الدين أبو شقرا/ المدينة في الشعر العربي المعاصر،د. مختار علي ابو غالي/ التخلف الاجتماعي-مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور، د. مصطفى حجازي/ اشكال الزمان والمكان في الرواية،ميخائيل باختين/ ملامح من الأسطورة، ميرسيا ايلياد/اتجاهات جديدة في علم الاجتماع، ميشيل هارالامبوس/ الرواية والواقع، ناتالي ساروت و الان روب غرييه و لوسيان غولدمان/ نشوء وتطور الفكر النفسي-الاجتماعي عند العرب، د. نزار عيون السود/ النزوع الاسطوري في الرواية العربية المعاصرة، د. نضال الصالح/ منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي،د. نوري الطالباني/ إشكالية المكان في النص الادبي، ياسين النصير/ تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي،يمنى العيد/ إدوارد سعيد، التلفيق الذاكرة والمكان، مجلة (الكرمل) ع(70-71)،سنة(2001 / د.حسين حمزة حمود الجبوري، الاحتفالية في النص القصصي عند جليل القيسي،مجلة (الموقف الثقافي)، ع (25)، كانون الثاني وشباط 2000/ رزاق ابراهيم حسن، كركوك جليل القيسي، صحيفة الزمان (ألف ياء)،ع 2472، 8/آب/2006/ سليم تماري، المدن الصغيرة وثقافتها القامعة، مجلة (الكرمل).ع (80)، السنة (2004)./ فؤاد التكرلي، هل الرواية ابنة شرعية للمدينة؟ جريدة (الثورة)، (بغداد)24\12\2002/ د.فيصل دراج، حداثة بودلير ومرايا المدينة الحديثة، مجلة (الكرمل) ع (83) سنة 2005/ و قيس كاظم الجنابي، الذاتي والاسطوري في "مملكة الانعكاسات الضوئية"، مجلة (الموقف الثقافي) ع (23)، ايلول وتشرين الاول 1999.

لقد أكد الباحث على ان القصة القصيرة قد غدت في العصر الحديث جنسا ادبيا متميزاً في الادب الغربي، ومن ثم في الأدب العربي، بعدما تطورت على مراحل عدة وتبلورت أساليبها وتقنياتها الخاصة. وان الفن القصصي حديث النشأة بالمقارنة مع الفنون الادبية العريقة كالشعر والمسرح، وقد أنتجه عصر الحداثة في اوروبا، ثم إنتشر لاحقاً في معظم بلدان العالم. ولئن كانت القصة القصيرة هي الوليدة الشرعيية للمدينة؛ فقد صحّ نعت بض الباحثين بأنها فن مديني، أفرزته المدينة الحديثة؛ كيما تعبر به عن حياتها وأحلامها وطموحاتها وخيباتها؛ وعليه فقد إختار الباحث عنصراً رئيسا ومهماً، من عناصر القصة القصيرة، ألا وهو المكان بصورة عامة، والمدينة بالأخص؛ لصلتهما الوثيقة بهذا الفن الحديث وبالحداثة عموماً.ثم إن المكان في الفن الروائي والقصصي من الدعائم المهمة التي يرتكز عليها الفن القصصي والروائي،وجليّ أن المكان قد يضيق في القصة القصيرة ويتحدد بسياقها، وغالباً ما يكون ذا مساحة ضئيلة قياساً بالمكان في الرواية، حيث نجده أحياناً يمتد ويتوسع ضامّاً مدينة بأكملها، وربما مدناً وأمكنة أخرى.ومن هنا فإن المدينة كمكان في القصة والرواية، لها الحضور الكبير والتأثير في مصاير الأبطال والشخوص؛ لذا فهي تستحق الإهتمام والدراسة..وعليه فموضوع المدينة في القصة القصيرة جدير بالبحث والتحليل، لاسيما في عالم قاص كجليل القيسي.
ولقد إستقصى الباحث مدى اهتمام القاص القيسي بالمكان في بنى قصصه، وبالمدينة على وجه الخصوص، حيث كرّس المدينة كعنصر سائد في جل قصصه، موظفاً شتى أشكالها بؤراً للأحداث الدائرة فيها، إلى حد يمكننا القول: " إنه كاتب مديني بامتياز" ولقد علل الباحث إختياره لدراسة المدينة في عالم هذا القاص؛ لمتابعته المتواترة لنتاجاته كافة،وقربه من اجواء عالمه القصصي، ودرايته الشخصية بالأمكنة الكائنة في قصصه، فضلا عن المكانة المرموقة التي يحتلها القاص في كلا المشهدين القصصيين العراقي والعربي المعاصرين.


يتكون البحث من تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة إستنتاجية، وقسّم كل فصل على مبحثين. ففي التمهيد بيّن اهمية المنهجين النفسي والاجتماعي في الدراسة الأدبية، لاسيما في تحليل النصوص الادبية، وركز على أهمية تضافر المنهجين في قراءة النصوص؛ لصلة شخصيات القصص بكلا المستويين النفسي والاجتماعي. كما نوّه في التمهيد بالمصطلحات النفسية الموظفة في مقاربات القصة والرواية، كالشعور واللاشعور، أو الوعي واللاوعي الجمعي والحلم واحلام اليقظة. ثم خصص الفصل الاول مدخلاً نظريا لطرح أهمية المكان في الأدب بصورة عامة ضمن مبحثه الاول، وفي مبحثه الثاني تناول تجليات المدينة في العلوم الاجتماعية وفي الأدب بصورة خاصة. وفي الفصل الثاني(وهو تطبيقي) تحدث في مبحثه الاول عن المدينة كمكان معاد في قصص القيسي، وفي المبحث الثاني عالج المدينة كمكان أليف، بشقيها المدينة/الحلم، والمدينة الاسطورية. اما في الفصل الثالث، وهو تطبيقي ايضا، فقد تناول في المبحث الاول مدينة كركوك في قصص القيسي بصورة عمومية، وفي المبحث الثاني عُني الباحث بمدينة كركوك بصفتها مدينة ذات تنوع إثني، وتسامح وإخاء، كما تتجلى في قصص القيسي.
بما أن للإنسان بعدين: بعداً ذاتيا وبعدا موضوعيا، أو بعدا نفسيا وبعدا اجتماعيا، وبما ان علاقة الانسان بالمدينة علاقة نفسية واجتماعية في القت نفسه؛ فقد وجد الباحث بالضرورة أن يستخدم المنهجين النفسي والاجتماعي لقراءة ثيمة المدينة في قصص القيسي. ان قراءة النصوص الادبية من منظور سايكولوجي، تفتح بطبيعتها ابوابا واسعة لرؤية الخفي ولقراءة ما لم ينطق به النص ظاهرياً، ضمن العلاقة الموجودة بين الاسلوب السايكولوجي والسلوك الانساني. فثمة علاقة مباشرة في العملية الابداعية بين الدوافع الداخلية والخارجية، إلاّ أن المبدعين يتأثرون كثيرا بالدوافع الداخلية، وهي دوافع لا تكفي بحد ذاتها في عملية الخلق. ذلك لانهم لا يكتبون تحت تأثيرات ذاتية حسب، بل استجابة لما يدور حولهم ايضا. من هذا المنظور تناول الباحث، المكان/المدينة من وجهة نظر المنهجين النفسي والاجتماعي، لأن المعاني التي يسبغها الانسان على المكان/المدينة ليست اجتماعية بحتة، بل تتغير بتغير التحولات النفسية التي تطرأ على الشخصية المحورية في القصة. وهنا يتساءل الباحث: " هل المكان/المدينة له بُعد موضوعي بحت بمعزل عن ذاتية الانسان واسقاطاته النفسية؟ أم له بعد ذاتي ايضا؟ أم انه خاضع للتجربتين الذاتية والموضوعية في الوقت نفسه؟"
وكما أسلفنا فقد وظف الباحث في قراءته التحليلية مصادر ومراجع عربية واجنبية مترجمة وما كتب في الدوريات والمجلات المتخصصة، منها ما يتعلق بالمكان في الادب، ومنها ما يتناول تجليات المدينة في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والادب، ولاسيما في القصة والرواية، في عدد لابأس به من الكتب. فضلاً عن مراجع أخرى خاصة بحضارة وادي الرافدين؛ لأن القيسي يستوحي في العديد من قصصه عوالم السومريين والبابليين والكوتيين والآشوريين. وكذلك اعتمد الباحث على بعض المراجع التاريخية التي تتناول كركوك في العصور القديمة.
كما استفاد الباحث، من ثلاث رسائل جامعية تناولت ادب جليل القيسي من زوايا ومنظورات مختلفة،ومع ذلك يعترف الباحث: " لكننا عانينا، رغم ذلك، شحة الحصول على المراجع المهمة بسبب حداثة الموضوع وقلة الكتب المترجمة عنه، خاصة تلك المتعلقة بالمدينة في الأدب" ويضيف: "وكم كنا نتمنى ان نحاور القيسي ونعلمه بجوانب عملنا في هذه الرسالة، ولكن، للأسف الشديد، وافته المنية عند شروعنا بالعمل، وبذلك فقدنا مصدراً اساسا ومهما من مصادر بحثنا"
وفيما يلي نص (نتائج البحث)-وهو بيت القصيد- بقلم الباحث نفسه؛ لعله يجدي القراء والقارئات والمعنيين والمعنيات أكثر من تلخيصه:

{عُني البحث بالمدينة، محوراً رئيسا في دراسة قصص الراحل جليل القيسي وتحليلها، حيث احتلت المدينة مكانة مميزة في حياته الشخصية وفي نتاجاته، القصصية على وجه التحديد، فقد ولد وعاش وتوفي في مدينة كركوك دون ان يغادرها يوما، الأمر الذي أدّى الى تأثير هذه المدينة في سايكولوجية القاص، تأثيراً عميقاً، بل إحتلت جُلّ حياته وذهنه وجسده، وانعكس هذا التأثير في معظم قصصه. لقد كان اهتمامه بالمكان عنصراً مهما من العناصر القصصية، اهتماما بالغا، ولمسنا هذا الاحساس بالمكان في تقنية عدد كبير من قصصه، اما اهتمامه بالمدينة-بأشكالها المختلفة- فجاء على نحو اكثر بروزا وتألقا فيها، فطرحت بوصفها عنصرا فاعلا في سايكولوجية الشخصيات المحورية في قصصه وتأثيرها الاجتماعي.
توصلنا، خلال قراءتنا لجميع نتاجاته القصصية، الى أن هناك ثلاثة مستويات في التعامل مع المدينة، موظفة بتقنية حديثة في قصصه، المستوى الاول: المدينة رافضة للشخصية المحورية، او العلاقة التنافرية والمعادية بين المدينة من جهة، والبطل من جهة ثانية. سمينا هذا المستوى: المدينة مكانا معاديا، وخصصنا مبحثا لدراسته. والمستوى الثاني: المدينة مكانا تقليديا لانحصل منه الا على اشارات للمكان بلا روح ولا رمز، لهذا لم ندخله في مجال بحثنا. اما المستوى الثالث، الذي توقفنا عنده مطولا، فهو المدينة الأليفة، او المدينة الحانية وعلاقة التآلف والتناسق بين البطل والمدينة، والتماهي بينهما، وقد وجدناها في عدد كبير من قصصه، لهذا خصصنا مبحثا لهذا المستوى.
توصلنا، في هذه الدراسة، الى نتائج واضحة، ولاسيما في جانبها التطبيقي وفي تحليل نصوص القيسي القصصية، ووجدنا ان للمدينة أشكالا وأوجها مختلفة، ففي بدايات قصصه كان للمدينة تأثير سلبي في سايكولوجية البطل، بمعنى ان المدينة كانت معادية فيما يخص القاص/البطل، اذ يحس البطل، في هذه العلاقة المعادية مع المدينة، بإغتراب نفسي واجتماعي كبير.
لمسنا هذا الإغتراب في الحالات النفسية المضطربة لدى البطل وفي علاقته العدائية مع الآخرين ومع المجتمع، اذ غالبا ما يأتي هذا العداء من اشخاص يتعامل معهم البطل في المدينة، أي أن العلاقة المعادية مع المدينة، هنا، ليست معادية تجاه المدينة بحد ذاتها، بل تجاه العناصر الفاعلة والمؤثرة في المدينة، وهي المجتمع وسكان المدينة. لذلك وجدنا في بعض قصصه ان البطل يتشبث بالمدينة على الرغم من القسوة التي يتعرض لها من لدن سكانها، وفي الاخير يضطر البطل الى تركها، اذ صور القيسي، الطابع القدري لبعض ابطاله في المدينة، ليعبر عن سخطه تجاه مايجري من تشويه وتدمير للحياة الانسانية، وليعطينا صورة عن الإغتراب الذي يعيشه الانسان المعاصر، وهو يشعر بالإستلاب بفعل ظروف خارجية، اذ ينتاب ابطال قصصه إغتراب شديد، تضطرب، من جرائه، حالتهم السايكوسوسيولوجية.
لكن المدينة تتجسد، في قصصه اللاحقة، مكانا أليفا، حيث الألفة الدافئة والمحبة المتبادلة بينها وبين القاص/البطل، اذ يدخل الراوي/البطل خلال مخيلته، في المدينة/الحلم حينا، وفي المدينة الاسطورية حينا آخر، لإضفاء تلوينات أخرى على الواقع، منطلقا من مدينته الواقعية التي أحبها كثيراً.
رأينا ان المدينة/الحلم والمدينة الاسطورية تدخلان في تماه عميق مع المدينة/الواقع، اذ يتخذ القاص/البطل من الحلم جناحين كبيرين ليحلق في سماء مدينته الحلمية والأسطورية، وفي سماوات مدن اسطورية وحلمية اخرى، ذلك لأن المكان في الأسطورة شاسع بإمتداداته اللامتناهية، وغير محدد بأرض أو مدينة، وحتى بزمن، حيث يمتد في العديد من الأساطير ليضم عوالم غير عوالمنا التي نعيش فيها.
رأينا في قصص القيسي، تعانق فضاءات مدن تاريخية واسطورية ببعض، اذ يهرب البطل في بعض قصصه الى أمكنة خيالية ومدن أسطورية أو تاريخية، خوفا من السلطة السياسية، اي ان المدينة الأسطورية والحلمية، تأتي نتيجة الهروب من المدينة الواقعية، وبسبب القسوة التي يتعرض لها البطل، ولاسيما تلك القصص التي تحمل نقداً أو تعرية للواقع السياسي والاجتماعي المعيش. وبذلك تكون المدينة/الحلم والمدينة الاسطورية، مكانين أليفين، المدينة البديلة التي يلجأ اليها القاص فزعا من تردي الظروف السياسية والإجتماعية.
وفي الوقت نفسه وجدنا ان للمدينة، -مكان أليفا-، تأثيرا كبيرا في إحساس البطل/القاص، اذ جعلته احساسا مشتعلا دافئا تجاه مدينته الحبيبة التي عاش فيها بعمق وحب كبيرين، بل ويسميها باسمها الحقيقي، وهي هنا كركوك الحديثة وآرابخا القديمة.
لقد حظيت هذه المدينة، في قصص جليل القيسي، بكمّ وافر من الاهتمام والمتابعة الدقيقة، اذ كتب عن أدقّ تفاصيلها عارفا كل طور من أطوار تأريخها، ولمسنا من خلال قصصه أن علاقته بمدينة كركوك علاقة روحية وثقافية وجغرافية، فهو مغروس بكل كيانه في هذه المدينة، انها في وجدان القاص/البطل مثل الحياة نفسها لا غاية البتة خارجها.
لقد تجلى في قصص القيسي، مقت القاص وكراهيته للتعصب الديني والإنغلاق العرقي، فهو كثيرا ما كتب عن مدينة كركوك، مجسدا تنوعها الإثني والديني، والتعايش والتسامح والوئام الذي كان ملتصقا بهذه المدينة في حياتها الواقعية والإجتماعية}.
وختاماً أتمنى، بل وأقترح أن ينبري هذا الباحث الدؤوب أو سواه ممن يتميّز بالإلمام والإحاطة والمؤهلات الضرورية لدراسة(التناص في أدب جليل القيسي)؛ لكون عالم القيسي- بأغلب قصصه ومسرحياته- حقل هائل للتناص، ولانظير له في المشهد الأدبي العربي المعاصر، في هذا المجال.

--------------------------------------------------------------



Nawazad Ahmad Aswad _master student

from: tareekalshaab.com

---------------------------------------------------------------

قلادة العنقاء الذهبيةللقاص
جليل القيسي
العمارة كركوك نينا :
نال القاص جليل القيسي قلادة العنقاء الذهبية التي يمنحها مهرجان العنقاء الذهبية الدولي الرحال للمبدعين العراقيين والعرب في شؤون الثقافة والفن والفكر.
وقال القاص محمد رشيد مدير دار القصة في ميسان رئيس لجنة المهرجان لمراسل الوكالة الوطنية العراقية للأنباء/ نينا/في العمارة اليوم الأحد:
"إن احتفالية خاصة أقيمت للمبدع جليل القيسي في كركوك تم خلالها تكريمه بقلادة العنقاء، يوم السبت".
وأضاف:"إن الاحتفالية تضمنت تقديم شهادات إبداعية عن كتابات جليل القيسي من قبل الشاعر رعد مطشر مسلم رئيس الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء والكتاب في كركوك والمحامي هادي علي مثنى رئيس الهيئة الإدارية للشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية".
ويعد القاص جليل القيسي احد القصاصين العراقيين المبدعين ممن تركوا بصمة واضحة من خلال تجربته الإبداعية في فن القصة وقد أغنى المكتبة الأدبية بإصداراته القصصية مثل/صهيل المارة حول العالم، قصص1968و/جيفارا عاد افتحوا الأبواب/مسرحيات1971و/زليخة البعد يقترب/قصص1974 و/شفاه حزينة/مسرحيات 1979 و/في قارب واحد/قصص 1988و/مملكة الانعكاسات الضوئية/قصص 1996.
يذكر إن مهرجان العنقاء الذهبية الدولي أسهم بتكريم أكثر من 50 شخصية أدبية وفنية عراقية وعربية خلال السنتين الماضيتين.
*************************************

from: Azzaman.com

.................................................................................................................
النزعة التدميرية عند قصاصي الستينيات في العراق - قصص جسدت اللانتماء والفردية والانكفاء - ياسين النصيرالوجه الآخر من قصص الستينيات هو المهم في هذه الدراسة، وإذا كان لا بد من العرض المبسط الذي قدمناه، فالأمر بالنسبة لأفضل نماذجها القصصية وقفة أكثر مسؤولية. لا يصح مطلقا نعت قصة الستينيات كلها بالتجريبية. وان اعتمدتها كجزء من سعيها لاكتشاف قارتها الخاصة. لقد وعي عدد غير قليل من القصاصين الأهمية لفن القصة في استيعاب أفكار المرحلة، لكن من خلال المواقع التي تتصل بأفضل إنجازات القصة الخمسينية أولا، وبما وصل إليه الفن القصصي في العالم العربي ثانيا. ومرة أخري أجد نفسي مدفوعا إلي تأكيد النزعة التدميرية ــ البنائية لدي القصاصين وهم يترجمون سيكولوجية المرحلة في أعمال فنية إلا أن الطريقة التي سلكها القصاصون هنا مختلفة كثيرا عن تلك التي اعتمدها الخمسينيون. فالسيكولوجية العامة لمجتمع المرحلة توضح أن: الرفض ــ اللا انتماء ــ الفردية ــ الذاتوية ــ الانكفاء ــ العزلة ــ الميل إلي السكني في أماكن مغلقة ــ الابتعاد عما هو جماعي ــ السعي إلي الاستغراق في الأحلام ــ والعودة إلي الشعر من خلال استنهاض المكنون النفسي، هي المؤثرات العامة لحياة مجتمع تلك الفترة.وتحت ظل هذه النفسية المرتبكة جري فرز حقيقي لجنسية الكتاب، فمعظمهم من الشباب، ومن الفئة البرجوازية الصغيرة، ومن الذين مروا بتجارب سياسية محبطة، ومن الذين يقرءون العبث والوجودية واللا معقول والماركسية والفوضوية وثورات العالم الثالث، وعلي ضوء هذه المعطيات العامة نستطيع أن نؤشر نقطتين مهمتين:أولاهما: أن فن القصة ابتعد عن المواقع الاجتماعية ذات النزعة الشعبية العامة، علي العكس ما كانت عليه قصة الخمسينيات، وأبدلتها بأماكن متعددة، بعضها لا هوية واضحة لها، وبعضها الآخر مختص بقطاع اجتماعي معزول، كائن في الأماكن القصية، ومحاط بأسرار المجتمع، وسكنتها من أولئك الذين تخثر الحزن علي ملامحهم وسلوكهم وتصرفاتهم ومن داخل هذه الأمكنة المغلقة السوداء، المعزولة، أطل القاص علي المجتمع. وكانت المرأة هي الجنس الغالب لمثل هؤلاء السكنة، أما الرجال، فكانوا أما غائبين أو في مهمات، وحضورهم لا يتم إلا في حالة استدعاء روحي ــ مادي تمثل في الرغبة الجنسية أو في إيصال ما أنقطع من زمن. لقد جري اختيار مقصود لنوع الأبطال وأمكنة سكناها وطريقة تفكيرها وأسلوب حياتها اليومية. ويمكن الإشارة هنا إلي جملة قصاصين أكدوا هذا المنحي في قصصهم: محمد خضير في اختيار الأماكن المعزولة عن أضواء المدن وهتاف الشوارع، موسي كريدي في سعيه لفهم خصائص مدينة النجف وأمكنتها وبعض نسوتها، أحمد خلف في تتبعه لامرأة الحاجة المفرغة، وكان بها جواباً لآفاق روحية بعيدة. جليل القيسي في اهتمامه برصد الحالات المستوفزة بفعل الحرب أو الجنس. غازي العبادي في ولعه المتزايد في تتبع أبن الريف وهو يواجه العنت والاضطهاد.. عبد الإله عبد الرزاق في ميله إلي عزلة أبطاله خارج أسوار المدن. محمود جنداري في تأكيده الروح المتأججة بحالتها اليومية، جمعة اللامي، في المغزي السياسي المباشر لأناس القاع الأسفل وهم يتحولون باستمرار، وفاضل العزاوي في استقصاء الوعي الاجتماعي المتجدد. ولأول وهلة تجد أن أمكنة باهتمامات، وشخصيات بمواقف، وأحداث بموضوعات اعم. هي ما يميز هؤلاء القصاصين الذين ناءوا بفنهم في أخر الأمر من تلك المواقع الظليلة إلي المواقع الحاسمة والشديدة الصراع في المجتمع.وثانيهما: أن الكاتب القصصي في هذه الفترة قد وضع فواصل واضحة إلي حد ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة الطويلة، وبينهما وبين فن الرواية الذي بدأ يتضح علي يد القاص غائب طعمه فرمان، كما برزت الأقصوصة وتداخلت مع الجميع مخلفات القصة الريبورتاج التي توارثها الكتاب من الأربعينيات.وعموما تجد أن فرزا حقيقيا وواضحا لأصناف النوع الأدبي فالقصة القصيرة المتكاملة والتي يكتبها عدد غير قليل من القصاصين قد اعتمدت منهج القصة الخمسينية الناضجة مع تطوير واضح لقواعدها، وإشباع متميز لأجزائها. وبفهم وبوعي نقدي لأحداثها وموضوعاتها ولطريقة كتابتها ولاهتمامات شخصياتها. كما أن القصة القصيرة الطويلة، قد أوضحت هي الأخري، فمالت من حيث موضوعها إلي إشراك عدد أكبر من الشخصيات في حدث واحد، وإلي التوسع في الإدراك النفسي والاجتماعي لكل ما يحيط بها، لكنها لم تتناول مصائر اجتماعية واسعة ولا حقبة تاريخية مشخصة ولا قطاعا اجتماعيا شعبيا محددا، ولا شخصيات نمطية مألوفة كما تفعل الرواية غالبا، ويتميز عبد الرحمن الربيعي في مثل هذا المعزل بين الأنواع.وبتوضيح خصائص هذا النوع للقصة أمكن فرز أعمال قصصية يمكن تسميتها بالقصة القصيرة الطويلة: (المسافة) ليوسف الصائغ و(كانت الطائرات تحلق عاليا) لفاضل العزاوي، (رجل الأسوار الستة) لعبد الإله عبد الرزاق، (تلك الشمس كنت أحبها) لعبد الستار ناصر،ط مملكة الجد والوشم (لعبد الرحمن مجيد الربيعي)، (رموز عصرية) لخضير عبد الأمير، في حين أن حاجة أخري قد نشأت إلي الأقصوصة أو كما سميتها لاحقا (القصة القصيرة جدا) وكان أبرز كتابها خالد حبيب الراوي ومن ثم أحمد خلف حتي استقرت في آخر المطاف علي يد كاتب أجاد وتفرد بها هو إبراهيم أحمد. وحصيلة هذا الشكل أتت بفائدة علي القاص في الانتباه إلي تلك اللحظات المكثفة من الحياة، والتي غالبا ما تشبه البقع السوداء في الفضاء الخارجي. أما جذور هذا اللون فيمتد إلي ريبورتاجات ذنون ايوب في مجموعة (برج بابل) في الأربعينيات. وإلي فن التقطيع الذي لجأ أليه الكتاب في الستينيات عندما بداوا يوزعون قصصهم إلي مقاطع وأرقام، وأفضل من عمل ذلك هو غازي العبادي ثم توسع علي يد آخرين، إضافة إلي أن هذه الفترة شهدت ترجمة قصص ساروت: انفعالات فكانت نموذجا لهذا النوع القصصي أما القصة القصيرة الفنية، فقد تكاملت أبعادها كما أسلفنا، وأصبحت مكتملة النوع، ويمكن القول أن محمد خضير، موسي كريدي، جليل القيسي، أحمد خلف، محمود جنداري، غازي العبادي، خضير عبد الأمير، جمعه اللامي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، فهد الأسدي، عبد الإله عبد الرزاق، فاضل العزاوي، عبد الستار ناصر، أفضل من كتبها في تلك المرحلة.وتندمج النقطتان في إيضاح معني مهم، نؤكده هنا قبل الدخول في التفاصيل، وهو أن القصة الستينية لم تقترب من الشعب كما كان شأن القصة الخمسينية، إلا أنها أنهضت قيم الشعب وجعلتها مرئية مقروءة بوعي أكثر. هذه النقلة الفكرية أبعدتها أولا عن أساليب الفن الشعبي وقربتها ثانيا من مستلزمات القصة الحديثة، وقد أفرد بعض الكتاب لأسلوب الفن الشعبي طريقة جمعت بين المقامة والقصة، وكان من حصيلتها نتاجات فنية لها طعم الفن الشعبي والقصة الحديثة، وأبرز من كتب فيها متأخرا الأستاذ مدني صالح والقاص أنور الغساني الذي نشر عدة مقامات بإطار قصص أسماها المقامات الكركوكلية. ( نشرها في جريدة الفكر الجديد الأسبوعية).ويعكس ابتعاد القصة عن الفن الشعبي وحيله، وعن هموم الشعب اليومية المباشرة قضية فكرية أخري: هي أن القصة تحاكي منهجا سياسيا يؤكد في مجمله علي رؤية مستقبلية أكثر مما هي سلفية، ويأتي وضعها هذا من خلال موضوعاتها التي التصقت بالهم السياسي في جانب وبالمكنون النفسي للإنسان العراقي في جانب آخر، وكانت في كلا الجانبين تضع مؤشرات للنهوض علي أنقاض ما ينهار من قيم ومفاهيم. بمعني آخر أن قصة الستينيات كانت تترجم الانهيار اليومي لأشكال الواقع القديمة، إلا أن خطأها أو ضعفها يأتي في أن رؤيتها المستقبلية كانت مضببة عاكسة بذلك الوضع الفكري والاجتماعي للانتلجستيا العراقية في مرحلة من أصعب المراحل وأشدها تناقضا.وتحت هذا الفهم نحاول فيما يلي إيضاح المميزات التي اختصت بها أفضل نماذج القصة الستينية علي المستويين الفكري والفني وصولا إلي تحديد ما يسمي بقالب خاص لفن القصة القصيرة في العراقــ أولي هذه المميزات تعميم ما هو مأساوي في الحياة الشعبية وجعله علي لسان الكثيرين من الناس، لقد طرحت مفهوم الاغتراب الجماعي من الوضع السياسي القائم يوم ذاك، فدللت من خلال العديد من النماذج علي ابتعاد الانتلجستيا عن السياسة لا كرها بها، وإنما يأسا مما آلت أليه. لقد استوعب الفن القصصي تلك النغمة الحزينة، خاصة وأن أبطال القصص نماذج ممرورة بتجربتها، مشبعة بفشلها، وها هي بعد أن استوت علي قدميها أعطت لقدرتها الذاتية البسيطة: إمكانية جماعة متماسكة. وأفضل نماذج هذا النوع من القصص قصة (الوشم) لعبد الرحمن مجيد الربيعي، حيث يتلمس القارئ تلك النغمة الحزينة المشربة بالانهزام وهي تطرح ذلك بطريقة البوح أو الكلام بصوت مرتفع، وهي مركب من مركبات شخصية البرجوازي الصغير الذي يضيق نفسا لدي أول مجابهة، في حين أنه كان يمني نفسه يوما بالارتفاع علي حقيقة الواقع بما يمتلكه من تصورات ثقافية مزركشة عن تناقضات الواقع. أن ميزة الوشم الأساسية ليس فيما طرحته من تبرير بل في ذلك الجانب الذي لم يتجرأ الحديث عنه، وهو الضعف التاريخي الذي يمتلكه المثقف إزاء الأحداث العصيبة، والنقد الذي لاقته هذه الرواية أهمل هذا الجانب، بل جعله مؤولا في ذهنية الناقد والكاتب الذي يترجم علي الورق.المأساة التي تطرحها مثل هذه الكتابات هي مأساة طائر التم، الذي عند موته فقط يفكر بصوته الحزين.والنظرة الجمالية لمثل هذه الكتابات هي اكتفاؤها بتصوير ما هو كائن ومؤول، فجاءت صرخات الكائن منكفئة إلي الداخل أو محاصرة بأشخاص وحالات لا شرط موضوعي لوجودها، لإيمانها بأن التغيير لمثل هذا (القدر) لا يأتي إلا من الخارج، ولما كان الخارج محاصرا ومشددا عليه سقط البطل في وهم الذاتية والمثالية. لقد كانت المرحلة أحوج ما تكون إلي كاتب ينهض بأنكساراتها بروح موضوعية وعلمية ليرسم ليس ما هو كائن، بل ما سيكون عليه الأمر لاحقا. مثل هذا الكاتب ــ البطل أيضا ــ قد خرج من تحت عباءة القصة القصيرة الفني وليس من القصة القصيرة الطويلة، والعلة في ذلك هو ميل كتاب هذا اللون من القصص الطويلة إلي تركيز عدة شرائح وعدة أحداث وعدة شخصيات في بطل واحد، في حين أن القصة القصيرة تفتح نوافذها علي كل هذا التعدد دون أن تدمغ أيا منها بهوية الآخر. فالشخصيات المكثفة أو المركزة لا تستطيع أن تقدم طريقة ناضجة لإيضاح العلاقات والقوانين العامة للمرحلة، خاصة في طرحها فنيا. إلا أن التعميم المأساوي قد أتي من تناول الشخصيات الثانوية في المجتمع ونشرها علي أفق الواقع ومن ثم تشرب الناس، كل الناس بالحالة العامة لهم. والثانويين في تلك الفترة هم حطب نار المجتمع، العمال ــ الفلاحون ــ الجنود ــ النساء القرويات، وكل الذين يطلق عليهم بالعامة، وهم كما يقول لوكاتش علي لسان بلزاك (أن المجتمع الفرنسي يجب أن يكون المؤرخ، عليّ أن أكون أنا سكرتيره) (11) لا كما تدل عليه (الوشم) التي تسرد حالة الكاتب بأثواب المثقف ذي النزعة البرجوازية في تفسير الواقع وأدلجته. الثانويون هنا ليسوا كمثلهم في الخمسينيات، أنهم هنا عينيات أكثر تمثيلا لواقع الشعب، من أولئك المختارين اختيارا خاصا. فهم الجنود المحاربون والعمال ابتداءً من ثورة العشرين وحتي حزيران (يونيو) 1967.أما النسوة فهن أولئك العجائز المنتظرات الموعود والأرامل اللائي فقدن أزواجهن، والشابات اللواتي ينتظرن ابن الثمانية عشر عاما حتي ينهي خدمته، أو رحلته إلي دول الخليج. أما الصبيات فقد بقين منتظرات حقائب الآباء الميتين ولعب الأمهات المصنوعة من الخرق والطين.. هؤلاء الثانويون هو وجه قصة الستينيات. خاصة تلك التي ارتفعت بمعني الحدث إلي مصاف الشعر، وبمفهوم الشخصية إلي معني التجريد. وبقدرة الأسلوب علي تطويع ما يفدنا من تجارب جديدة. وقد ساعدها في ذلك كله أنها التفتت إلي الموروث الروحي للشعب وهو يتشكل عبر معاناتها اليومية، هذه الخاصية هي ابنة الستينيات، فقد طوع محمد خضير فنه كي يستوعب فيه الخلجات الروحية لامرأة القاع الأسفل وهي تنمو وسطها وتطرح همومها. الموروث الروحي اكتشف أيضا بقاعا قصية من المجتمع وأزاح الستار عن قارة كاملة من الهموم والأفكار والموضوعات، ما كانت تجد طريقها إلي فن القصة وهو ينطلق إلي قياس الظاهر المتغير من شكليات الحياة، أن اكتشاف القصة الستينية لعمقها الجديد، ركز فنها وقوي حدثها، وأكسب شخصيتها انتماءا حقيقيا للمجتمع. وقد شخص النقد العراقي هذه النقطة حتي عد أن قصصا قليلة أدرجنا بعضها في كتابنا (قصص عراقية معاصرة) مازالت لحد اليوم مثالا لاستلهام الحياة الشعبية لفن القصة. ــ أما ثاني هذه المميزات فهو: تطويع الحس الفلكلوري للعامة وجعله تراثا ثقافيا ينأي بنفسه عن تلك الظلال المعتمة من النفس. والنقلة هنا ليست في اكتشاف الفلكلور وإنما في تحويل طريقة السرد من تتبع حياة إنسان شعبي كما يفعل عبد الملك نوري بعد أن يضع علي لسانه استحضارات واعية إلي تتبع النفس لحياة الشعب الدفينة وهي تظهر من خلال تحويل طرق السرد من العياني المباشر إلي الجوهر الذي تشترك فيه عدة قطاعات أو ما يسمي بالوعي الجمعي الذي وفره لنا حديثا علم النفس. وقصص المجموعات "المملكة السوداء ــ منزل العرائس ــ الحصار.." أمثلة علي ذلك..ان الكتاب المناوئين للحرب وللاستلاب وللقهر وللاستغلال، كانوا" منجذبين" كما يشخص لوكاش لمثل هذا الوضع ــ انجذابا أقوي من عامة الناس، خاصة أولئك الذين عن طريق حياتهم اليومية والمألوفة يرسمون مصيرهم العام دون وعي مسبق يمثل هذا المصير، وهنا يتجرد الكاتب من سلاح ثبت فشله تاريخيا وهو الكتابة عن النماذج الممثلة للطبقات المؤثرة في مسيرة المجتمع واستبداله بسلاح جديد هو اختبار النمط الشائع من الناس والأكثر حضورا للكتابة من خلال ما يحياه عن التاريخ العام للمجتمع والسلاح الأخير هو ابن الستينيات.هنا ينهض ما أسميناه بالتعميم المأساوي ليصبح أسلوبا لفن القصة، وطريقة اكتشفها القاص الستيني، امتد تأثيرها إلي كل أجزاء الفن القصصي، وسنحاول فيما يلي من الصفحات إيضاح مثل هذا التأثير.لقد فتحت الخمسينيات النافذة الأوسع علي الطرق الفنية المختلفة وإذا كنا مبهورين بما قدمه عبد الملك نوري من فن جديد، فأن ما تعلمه القصاصون الستينيون يفوق كل من سبقهم. لقد تمكنوا من فن الترابط، والوصف، وتطوير الجملة النثرية، والاستفادة الواعية من الشعر والمسرح وجعلوا كما سنري بعد قليل من كل هذه العناصر هوية قومية لقالب فني محلي للقصة القصيرة وقد أشبعت أجزاؤه بمناخ مأساوي، هو في حقيقة الأمر القاع الشعبي للفن.يندر أن تجد قاصا ستينيا استخدم تيار الوعي استخداما متكاملا وسبب ذلك يعود لقصر التجربة وضحالة الإطلاع، واستخدام المصطلح دون وعي كامل بأبعاده. إلا أن الميزة المحلية الخاصة بهذا اللون من السرد القصصي قد أكسبته ظاهرة جديدة ليس لأن تيار الوعي يرتبط بنوع معين من الأفكار أو الصور أو اللغة، بل لما يمتلكه من حرية أطلقت عنان الخيال. إلا أن القصة العراقية جعلت من تيار الوعي ترابطا بين فواصل مأساوية، يتشرب بها الحزن ويوطد أجزاءها ذلك الهاجس الفردي المأساوي لحياة ونعتقد أن هذه الميزة جزء من قالب محلي لفن القصة العراقية، أتي نتيجة انتباه القصاصين إلي نوع جديد من الحياة والشخصيات والأحداث التي عاشوها تجربة وملاحظة وقراءة.والقصص التي تؤكد رأينا هذا، هي تلك التي يسعي القاص فيها عن طريق تيار الوعي إلي: الكشف عن العمق النفسي للشخصية وعن الشمول الاجتماعي للحدث، وعموما نجد رصدا لحالات الشخصية الممسوسة قد سيطر علي معظم نتاج الستينيات، ويقينا أن ما نعنيه بالشخصية الممسوسة هنا ليست المريضة حسب مفهوم علم النفس الفرويدي، بل هي الشخصية، المشبعة بمناخ مجتمعها، والممثلة لقطاع كبير من الناس قد يتجاوز الحدود الطبقية المتعارف عليها في التقسيم الاجتماعي ــ الاقتصادي للمجتمع.أما كيف تمكن القصاصون من التقاط هذه الشخصيات المشبعة ومن ثم وضعوا علي لسانها (حالة) اجتماعية متميزة أفرزت فنا محليا خاصا؟ فهو ما نحاول إيضاح بعضه في المقتبسات الآتية، تاركين اكتمال الفكرة إلي قراءة النتاج المتميز للستينيين جميعهم. ولأن همنا ليس تقديم أنواع من التكنيك لأن ذلك يرتبط بتحليل نقدي للشكل الفني أولا ــ وإنما همنا في الأساس إبراز السمة النوعية لطريقة كاتبنا المحلي في استخدام المأساوي كأرضية لقالبه الفني، ولنر ذلك في ما يلي من النماذج المتجزئة:(أخيرا تغادرين هذه المستوطنات الطموحية إلي الخلاء المتفجر بالضوء.. أغنيات رقيقة نداءات بالإسراع.. وجوه مطلة لبشر ممسوخين، ووجوه ثيران ونسور وتماسيح، مجدولة بالثعابين السود، مشعة بهالات زرقاء باهتة، وكأنهم يرتدون شموسا أو نيازك مذنبة. حين تقترب منهم، تمتد أيديهم الطويلة المشعرة، والملساء كاسطوانات رخامية، تقذفك بالأزهار والأحجار الزاهية وبالتماثيل الصغيرة المتجسمة في كتل الشذرات المضيئة.. جميعهم هناك: العائلة البشرية، العائلة المقدسة، الأمهات والآباء الأخوة، مولدتك، المربيات السوداوات والمرضعات الطارئات ــ الأمهات الثانويات ــ والرفيقات.. نتتشلين وتوضعين في المهد المزين بالخرز الملون وبالتمائم، بين أغطية ناعمة ووسائد لينة. هاهي ذي الحاشية تحيط بالمهد: الباعة المتجولون، مشترو الحديد العتيق، خياطو الفرفوري، الندافون، الفوالون وسحرة الحياة، متسولو ليلة الجمعة، الأغراب وعابر السبيل و( السادة)، السود مرقصو الغلمان ومتبنوهم، اللصوص والحراس الليليون.. ناحية أخري، تقف في طرف المهد المرفوضات، الناديات، والمطربات محييات الأعراس الحفافات، الدلالات، القابلات، الحاجمات، الغازلات الزائرات القريبات كالأشباح ذوات، المهمات العسيرة السرية التي لها علاقة بشرف العائلة وبالأمراض وبصعوبات ليلة الدخلة والخبيرات بالمداخل التناسلية الأنثوية..) (قصة الاسماك لمحمد خضير).يطلق علي مثل هذا المشهد الاحتفالي عادة (عين الكاميرا) أو (المشهد المضاعف) وهي أسماء توحي بإمكان اجتماع مجموعة صور في نقطة زمنية واحدة هي لحظة نزول الفتاة بالحلم وبالواقع إلي الالتحام الشامل بمكونات الطبيعة، أي لحظة المصاهرة مع الذات. ويتبع القاص أسلوبا فريدا في تجسيد هذه اللحظة، يعتمد علي خيال أسطوري سحري ــ فطري في تكوين مشاعر جمالية وفكرية في تلك اللحظة. واعتماده هنا تكمله للحس الفطري الذي تشعر به الفتاة العذراء ساعة التحامها بذاتها كجنس وكطبيعة. وهذه خصيصة محلية اكتشفها قاصنا العراقي بعد أن اكتشف نوعا من الشخصيات المعزولة عن الأماكن المضيئة والشوارع ونسكن غرفا مظلمة، وأماكن قصية، علي حواف المدن أو الأنهار.. مثل هذه الشخصيات ــ الأنثوية ــ قد حملت في تركيبها الفسيولوجي والنفسي والاجتماعي خصيصة محلية قد لا نجد مثيلا لها إلا في الأماكن القصية من العالم حيث يسيطر السحر والتقاليد والأعراف علي مجمل النشاط الاجتماعي. وقد تبدو مثل هذه الشخصيات غريبة أو مفتعلة، في حين أن تجسيدها لوجودها الروحي والمادي هو تجسيد للنوع البشري الموضوع ضمن ظروف اجتماعية واقتصادية معينة وبالتالي هي امتداد شرعي لكل النساء العوانس والباكرات، للأمهات وللعشيقات، ولكل من تجد لها في تيار الزمن تكثيفا لحالة أعم وإذا ما مددنا حسنا الفلكلوري نجدها وريثة لكل نساء ألف ليلة وليلة، ولكل قصص الجن والسحرة وزوار العتبات المقدسة. لقد ارتفع الفن القصصي بمثل هذا النوع من النساء من رصد لعواطفها اليومية المباشرة، إلي تجسيد لجوهرها ككائن اجتماعي انفصل بك تركيبه عن مكونات الطبيعة الأخري ولذلك عندما تعود بنفسها إلي حالة جنسية ــ لا تجد ذاتها معزولة عن كل المكونات الطبيعية وغير الطبيعية التي تشترك معها بالحالة ذاتها. القاص هنا يبحث عن الشيء المشترك في كل جوانب الطبيعية. ونعود ذاتها. القاص هنا يبحث عن الشيء المشترك في كل جوانب الطبيعية. ونعود إلي التكنيك مرة أخري، لنجد أن القاص (قد مزج بين الحياة الداخلية للشخصية مع الحياة الخارجية في وقت واحد) ولكن بطريقة ذهنية منضبطة، ولهذا نجده مكثرا من الفوارز والنقاط والتعليقات ولعل سبب ذلك يعود إلي أن القاص هنا راو لما يحدث ولذلك ليس ثمت علاقة من المنلوج الداخلي للشخصية، فالشخصية شبه غائبة في التحامها الكوني الأسر. فتولي القاص رواية ما يحدث لها مضيفا أليها كل معلوماته عن مثل هذا النوع من الشخصيات، وهذا ما نجده في إكثار المتشابهات من النساء وإلي رصف الحالات المتشابهة التي تعمق الفعل وتؤكده، والمعلومات الثرة هنا إضافة فنية لخصوصية القصة العراقية. إلا أن النقطة الأساس، في كل ما ذهبنا أليه، هي أن القصة تؤكد المعلومات التي أردف بها حال الشخصية وفي المتشابهات، وفي المناخ العام،حتي أن الألوان ــ لا الضياء الطبيعي الخارجي ــ هي التي كانت تحدد حواف الأشياء والموجودات، هذا الجو المظلم الكابوسي، الموشي بعزاء جماعي رسم لنا صورة واضحة لامرأة القاع الأسفل وهي تمارس وجودها اليومي من خلال استحضار القاص لنوعها المتميز الذي يمثل في أعمق معانيه نمطا من النساء أختص بمرحلة اجتماعية ماضية، أو منهارة، وقد أنعكس هذا الانهيار في قلة الأفعال وكثرة الأسماء. وهي دلالة أسلوبية عميقة
المعني.جريدة (الزمان) العدد 1380 التاريخ 2002 - 11 - 3

Jali alqaysi -kirkuk 18-6-2006

From: Ittihad.com

..................................................................................................................
نصوص مسرحية عراقية في الميزان النفسي:التاريخ: Wednesday, September 13الموضوع: ثقافة وفن
مسرحية: "محاولة التعرف على الليدي ماكبث"
للمبدع الراحل جليل القيسي
حسين سرمك حسن
"اقبلي ايتها الارواح. يا من توحين بالخواطر المميتة. انزعي انوثتي مني، واملئيني قسوة عنيفة من رأسي حتى اخمص قدمي كي افيض شرا، واحيلي دمي ثخينا. سدي في ضميري كل منفذ ومسلك تتسرب منه الرحمة لئلا تغشاه عاطفة قلبي، ولا اتردد في اعتزامي او تتحول هذه الشفقة الى هدنة بيني وبين ما ان عازمة على اقترافه. تعالي يا ارواح الهلاك، اينما كنت خفية متربصات في كل مكان فيه شر وكرب وبلية، واجعلي من البان ثديي المرضع سما فتاكا. تقدمي ايتها الليلة المظلمة وارتدي اقتم اللون من دخان السعير كيلا يبصر خنجري المسنون موقعه من الجراح التي سيحدثها، وحتى لا تطل علينا السماء، فترى ما اقدم عليه من جريمة وتصيح:
"توقف، توقف!".
الليدي مكبث
من مسرحية "مكبث"
الفصل الاول ــ المشهد الخامس

من نقاط ضعف، وفي نفس الوقت، قوة مسرح المبدع الراحل "جليل القيسي" هي الثقافة الادبية العالية والموسوعية، وخصوصا ما يتعلق منها بالاداب الاجنبية.
هي من نقاط الضعف حين يحاول جليل "استعراض" مخزونه الثقافي الهائل على لسان شخصياته من ناحية او من خلال موضوعات "عالمية" يعالجها مسرحيا من ناحية ثانية. ويتجلى هذا الجانب السلبي بشكل صارخ، عندما يحمل المبدع شخصياته ــ في تفكيرها وحواراتها ــ ما لا تتحمل، من خلال وضع اقتباسات شعرية او اسطورية معقدة على السنة شخصيات بسيطة. وهذه الاقنباسات لا تناسب بناء هذه الشخصيات المعرفي ولا البيئة الحضارية التي تعيش وتتحرك ضمن اطرها من جانب ولا المناخ الدرامي والانفعالي التي تطرح فيها هذه الاتقباسات امام المتلقي من جانب اخر. على سبيل المثال، لا الحصر، في مسرحية "زفير الصحراء" التي تتحدث عن ضياع ثلاثة اشخاص في الصحراء المصرية (عماد المهندي ومحمد الطيار وسعيد الصحفي)، يموت عماد ومحمد بسبب العطش ثم يتبعهما سعيد ولكنه يردد قصيدة لـ"ديلان توماس" قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة، وفي مسرحية "ايها المشاهد جد عنوانا لهذه المسرحية" التي تتحدث عن محاكمة ضابط مصري رفض وقف اطلاق النار في حرب تشرين واستمر ف
ي قتال الصهاينة، يضع الكاتب مقطعا للشاعر "ايميه سيزار" على لسان الراوي في حين ان هناك بدائل شعرية عربية لا تعد.
لكن نقطة الضعف هذه، تتحول الى مصدر قوة وثراء للنص المسرحي عندما تأتي تلك الحوارات والاقتباسات متناسقة مع بناء الشخصيات المعرفي، ومنسجمة مع الاطار الدرامي والانفعالي للادوار المرسومة لتلك الشخصيات. ومن بين تلك النصوص التي جسدت هذا التوظيف المحكم للاقتدار الثقافي الذي يوفر عليه "جليل القيسي" هو المسرحية القصيرة جدا، كما سماها: "محاولة التعرف على الليدي مكبث"، واعتقد ان الادق لغويا هو ان نقول: التعرف الى وليس على. كما ان هناك ملاحظة فنية تنبغي الاشارة اليها وهي ان كون هذه المسرحية قصيرة جدا ليس امرا غريبا على فن "جليل" المسرحي، فالغالبية العظمى من مسرحياته هي مسرحيات قصيرة ذات فصل واحد لان نفس الكاتب المسرحي قصير اذا جاز التعبير وقد يكون واقعا تحت فعل المديات التي رسمها لنفسه في زمن القصة القصيرة التي يعتبر من كتابها البارزين في العراق. اضف الى ذلك، ان عدد شخصيات مسرحياته محدود عادة، فأغلب مسرحياته مصممة لشخصين اساسيين. ومسرحيتنا هذه: محاولة التعرف على الليدي مكبث، هي من هذا الصنف، ففيها شخصيتان فقط: مخرج "شاحب، نحيف، مخروطي الوجه" ــ كما يصفه الكاتب ــ، وفتاة "شابة في حوالي الثالثة والعشرين، جميلة، ناعمة الحركات، ترتدي بنطال جينز، وبلوزة خضراء، وحذاء مطاطي"، حسب تعبيرات الكاتب ايضا، وستتضح اهمية هذه المقابلة الوصيفة لاحقا. وينسج المؤلف خيوط لعبة يفتتح بها المشهد الوحيد في مسرحيته والذي يجري بدوره على خشبة المسرح حيث يجعل المخرج يجلس في نهاية القاعة المظلمة بحيث لا يراه المتقدم للاختبار. تدخل الفتاة، واسمها سناء (ولا اعلم لماذا تبدأ اسماء جل بطلات جليل بحرف السين: سلوى، ساهرة، سميرة، سعاد) الى خشبة المسرح فلا تجد احدا، القاعة خالية، لا مخرج، ولا مساعد مخرج ولا لجنة اختبار فكراسيها الثلاثة فارغة. تبدأ الفتاة بحوار ذاتي مسموع:
"يا الهي، رغم صمت القاعة وخلوها، فهي رهيبة، وساهرة.. أي سحر عندما تكون مئات العيون المترقبة.. وهي تتهيأ لترى ماذا سيحدث على هذه الخشبة. هل سينفجر حدث جنائزي مثلا؟ او يظهر منظر مليء بالنور والموسيقى، وحركات تثير العيون والقلوب وتظهر الارواح.. او فجأة يهبط ليل بليونة ويحل صمت اخرس.. ضباب ارجواني مثلا.. وعاشقان يتناغيان بحرارة.. (تطلق ضحكة ناعسة) المسرح.. المسرح.. المسرح.. كل شيء يمكن ان يحدث فوق هذه الخشبة الساحرة.. كل شيء".
والفتاة، ومن ورائها المؤلف طبعا، اذ تتكلم بحماسة ملتهبة عن المسرح، فلإنها، في الحقيقة، تطابق بين المسرح والحياة. فهذا الغنى الساحر والرهيب الذي تمتلكه خشبة المسرح هو في الواقع (تكثيف) لما يجري من تنوع صراعي فائق على ساحة الحياة. ويكاد المسرح ــ الذي يوصف حقا بأنه "ابو الفنون"ــ، بل هو قطعا فن مغاير لجميع الفنون من خلال ميزتين خطيرتين:
الاولى تتمثل في ان "المسافة" الزمانية والمكانية، بين عملية الخلق الادائي وبين المتلقي تكاد تكون معدومة. فالمتلقي في الفعل المسرحي مباشر وفوري، بمعنى ان المشاهد يراقب ويلاحق وينفعل بعملية ابداعية ديناميكية ساخنة. اما في الفنون الاخرى فان هناك فاصلة واضحة بين عملية الخلق الاروائي والتلقي، ولا يلاحق المشاهد وينفعل بتشكيلاتها الحية، ولكن بنتائجها شبه الستاتيكية، القصيدة والقصة والرواية بعيدا عن عناء الكاتب، واللوحة منفصلة عن اداء الرسام.. وهكذا.. وقد نضع استثناء نسبيا للسينمائي في هذا المجال اذا نظرنا اليها كـ"مسرح مصور".
اما الثانية فترتبط بحقيقة ان "الانسان" هو اداة تشخيص الفكرة وتجسيدها على خشبة المسرح، الانسان بلحمة الحي وانفعالاته المحتدمة وحركته الصاخبة.
وهذا ما لا يتوفر في الفنون الاخرى التي تكون ادواتها مادية جامدة او تجريدية، حيث نجد الكلمة في الشعر واللون في اللوحة والصورة في الفلم..


..............................................................................................................

From: Ahewar.com

..................................................................................................................

الميثوبي و السرد الغنائي
باقر جاسم محمد الحوار المتمدن - العدد: 2050 - 2007
رحلة في مملكة الانعكاسات الضوئيةلقد تعامل النقد الأدبي مع السرد القصصي على أنه ذو طابع موضوعي في الأساس، بالمقارنة مع الشعر الذي يتسم بكونه ذاتيا ً من حيث الجوهر. لذلك نجد أن مصطلح الشعر الغنائي سائغ و مقبول في نقد الشعر. بيد أن السرد القصصي، و كذلك السرد الروائي، يمكن أن يكون غنائيا ً. يقول هيرمان هيسه: "إن الرواية، بوصفها قصيدة غنائية متنكرة، هي عنوان مستعار لتجارب الروح الشعري و للتعبير عن إحساسه بنفسه و بالعالم"(1). و بما أن القصة القصيرة و الرواية يمثلان ضربين متشابهين من ضروب السرد، و لا يوجد ما هو جوهري مما يمكن أن يميز بينهما كما يقول بونيه،(2) فإن من حقنا أن نوسع دلالة هذه المقولة لتشمل القصة القصيرة أيضا ً، فنقول أنها تكشف عن أمرين مهمين، أولهما: الصلة الوثيقة بين الشعر و السرد الأدبي بنوعيه الرواية و القصة القصيرة. و ثانيهما: الإمكانات الغنائية للسرد التي طالما أهملت و ازدريت لصالح الإمكانات الموضوعية. و لسوف نرى كيف أن مصطلح السرد الغنائي، أو الذاتي، يمكن أن يكون مدخلا ً مناسبا ً و أساسيا ً في قراءة مجموعة جليل القيسي " مملكة الانعكاسات الضوئية"(3) يتخذ الميثوبي، و سيكون هذا هو اسم جليل القيسي في هذه المقالة، من السرد وسيلة لتقديم رؤياه حول العالم من جهة، و للتعبير عن سياحته الروحية و الفكرية في عالم الفكر و الكتابة، و التأمل الذاتي و القراءة، و الخيال و الاستبطان الذاتي، و السعي لخلق أساطير خاصة بالميثوبي تعبر عن كل ذلك.(4) إذن فإن الميثوبي لن يدعي الحياد أو الموضوعية لأنه موجود في النص أما باسمه الصريح ( جليل القيسي)، أو باسمه الأسطوري، أو بأقنعته، أو بصفاته الدالة عليه. و الميثوبي، في كل ذلك، غير معني بتقديم أي تسويغ موضوعي أو فني لرؤياه و لانحيازاته الخاصة و الذاتية قدر عنايته بتوليف حكاية و صوغها في شكل فني للقصة منسجم مع أشواقه الروحية. و من هنا كان استعمال القاص لكلمة الميثوبي عنوانا ً لإحدى قصص المجموعة. إذن فإن الميثوبي يستثمر كل سلطاته بوصفه منشئا ً للنص السردي. فهو قد يستفيد من الباراسايكولوجي، و من فرضيات وجود كائنات أخرى من كواكب غير كوكبنا، كما في قصة " فتاة مجدولة من الضوء"، كما قد يستحضر شخصيات أدبية معروفة لكي يحاورها في رؤاها و في أعمالها الإبداعية و ما خلقته من شخصيات و نماذج روائية، كما في قصة " توهج بلازما الخيال". و قد يستحضر، بقوة السرد، آلهة قديمة ليخترق معها حواجز الزمان و المكان في رحلة خيالية كما في " مملكة الانعكاسات الضوئية". و قد يقيم علاقة مباشرة، من خلال طاقة السرد، مع شخصيات روائية، و خاصة أبطال دستويفسكي كما في " جروشنكا" و " أمسية قصيرة مع الأمير". إذ تعتمد القصة الأولى على شخصية جروشنكا التي استدعاها الميثوبي من رواية " الأخوة كرامازوف"، بينما تعتمد القصة الثانية على شخصية الأمير مشيكين بطل رواية " الأبله". و لكن الميثوبي يدرك تماما ً أنه منشئ النص السردي و صاحب السلطة المطلقة فيه، لذلك فإنه يتخذ لنفسه موقعا ً مركزيا ً فيه. فهو قد يكون مشاركا ً في الحدث القصصي، و قد يكون راويا ً له. و هو في كل الأحوال، يسقط رؤياه الخاصة على العالم و قضاياه الكبرى، و على الشخصيات و الأحداث. و من هنا جاء وصف السرد في هذه المجموعة بأنه سرد غنائي يعبر عن علاقة الميثوبي بالعالم. و لكن من يتصدى لقراءة أساطير الميثوبي في مملكة انعكاساته الضوئية سيواجه جملة من المشكلات الفنية و الفكرية. و لسوف نتحدث هنا عن أهمها. ☼ مشكلة أسلوب السرد: يعتمد الميثوبي على السرد الذاتي في قصص المجموعة كافة. فهناك دائما ًُ راو ٍ للحكاية يقدم لنا القصة من زاوية نظره الخاصة. و زاوية النظر هي غير وجهة النظر. فالأولى تشير إلى موقع الراوي في النص، بينما تشير الثانية إلى الرؤيا التي تتسيد النص جميعه. و أما التبئير، و هو تطابق وجهة النظر مع زاوية النظر فإنه لا يتحقق إلا في بعض القصص. ففي "غموض الروح" مثلا ً، يكون الراوي طبيبا ً شابا ً. و القصة تروى لنا من زاوية نظره هو و من خلال موقعه في النص. أما وجهة النظر أو الرؤيا السائدة في النص فإنها تتمثل بما يعتقد عجوز مثقف مريض و له محاولات في كتابه القصة، و هي صورة أخرى للميثوبي. لذلك يمكن القول بأن ( عين النص) أو الطبيب الشاب تروي لنا حكاية ( عقل النص)، أو رؤياه الممثلة بالمثقف العجوز.☼ مشكلة صورة الميثوبي: قد تنشطر صورة الميثوبي و تتحول إلى شظايا مبثوثة في هذه القصة أو تلك. و هي تتوزع على عدد من الشخصيات الثانوية، حتى و إن وجدت شخصية مركزية واحدة ممثلة للميثوبي. لأن ممارسة السرد لن تكون مقصورة عليها. ففي قصة " نيدابة" هناك راو ٍ للنص هو جليل القيسي نفسه، أو الميثوبي الأصلي، و هناك الأب العجوز الذي نيف على الثمانين، و يقول عنه راوي النص: " لقد روى لي هذا العجوز الأمي قصصا ً غريبة عن الأشباح و الأرواح التي تحوم فوق القصب و الأهوار." و هذا يجسد وجود معلم الميثوبي الأول الذي علمه صنعة السرد. و من هنا يمكن القول بأن جليل القيسي هو الميثوبي الأصلي بينما يمثل شخصية العجوز الميثوبي الثانوي. فالميثوبي الأصلي هو من يقدم لنا القصة و يبث المادة السردية، أما الميثوبي الثانوي فهو شخصية مرتبطة بصناعة القصة و تعرف بوظيفتها هذه و إن كانت لا تمارسها مباشرة أو على نحو واسع. و قد ينقسم الميثوبي إلى أصلي يمثله جليل القيسي نفسه، و ثانوي يمثله الكاتب الروائي الروسي دستويفسكي كما في قصة " توهج بلازما الخيال". و بذلك يفصح الميثوبي الأصلي عن انتمائه إلى سلسلة عظيمة من رواة الحكايات، و مبدعي الأساطير، و مؤلفي الروايات الكبار. ☼ قد يرغب الميثوبي جليل القيسي في أن يكون هو نفسه موضوعا ً لقصة و في بؤرتها، لذلك فإنه قد يوكل مهمة السرد إلى ميثوبي آخر، فينهض الأخير بعملية السرد كما في القصة " الميثوبي". ففي هذه القصة تقوم فتاة برجوازية، و عبر الرسائل التي ترسلها إلى الميثوبي جليل القيسي أو قناعه الكاتب الكركوكلي س. ع. بتقديم النص السردي. و أسلوب الرسائل في تقديم المادة السردية معروف منذ الكاتب الإنجليزي ترولوب. و تسبق الرسائل و توطئ لها جملة توضيحية يكتبها جليل القيسي. إذن فإن الفتاة صورة أخرى للميثوبي. لكن كل ذلك لن يمنع القارئ من الاستنتاج بأن الميثوبي، و عبر هذا الأسلوب، إنما يتأمل نفسه من الخارج.☼ يقدم الأداء اللغوي دليلا ً إضافيا ً على أن الميثوبي هو نفسه السارد لكل قصص المجموعة. أعني أنه لا يعطي فرصة لرواة قصصه المختلفين لكي يقوموا بتقديم المادة السردية بأداء لغوي خاص بكل واحد منهم، و هو الأمر الذي كان سيؤدي إلى اختلاف في الأداء اللغوي بين راو و آخر. و هكذا حافظ الأداء اللغوي على أسلوب واحد سواء أكان الراوي جليل القيسي في " مملكة الانعكاسات الضوئية"، أو الطبيب الشاب في " غموض الروح"، أو الأستاذ محمد في " أحلام بيضاء". أما قصة " هذا الحالم الوديع" فإنها لا تخرج عن هذا الوصف على الرغم من كونها مكتوبة من زاوية نظر رئيس تحرير إحدى الدوريات الذي يلتقي بالميثوبي، أو الصحفي الشاب رشيد عبد القادر. و يمكن تأويل وصف الصحفي الشاب على أنه صورة أخرى للميثوبي استنادا ً على حقيقة أنه يقوم باختلاق مقابلة و لقاء صحفي مثير و ناجح مع مستشرقة أسبانية كاشفا ً بذلك عن قدرة السرد على الخلق ما دام اللقاء برمته مختلقا ً.☼ إن القصص التي تحقق تبئيرا ً كاملا ًأو تطابقا ً تاما ً بين عين النص، أعني: من يرى، و عقل النص، أعنى: وجهة النظر السائدة فيه، تحقق في الوقت نفسه تطابقا ً بين الراوي و الرائي و المؤلف. و قد ترتب على ذلك أن على هذا الفهم للتبئير الكامل أن قصص المجموعة لا تسرد إلا عبر شخصيات خيرة ذات قرابة روحية مع رائي النص أو الميثوبي نفسه. و هي بهذا تقدم أنفسها و سواها للمسرود له. أما الشخصيات الشريرة فهي لن تنهض بمثل هذه المهمة لأنها تقدم عبر سرد الشخصيات الخيرة. وهذا قد أدى إلى افتقار القصص إلى عنصر التوتر الدرامي الموضوعي الذي يعطي لكل الشخصيات، خيرة كانت أم شريرة، فرصا ً متساوية في التعبير عن أنفسها. و يمكن تأويل هذه الإستراتيجية في تقديم المادة السردية على أنها تدل على أن الميثوبي، أو جليل القيسي، يرى بأن الرواة خيرون بطبيعتهم. لذلك لا مجال لإعطاء الشخصيات الشريرة شرف ممارسة و تخليق السرد أو الرواية. و هذا الموقف يتفق مع جوهر السرد الغنائي عند الميثوبي.و تتعدد مظاهر البناء السردي التي تؤثر في تأويل قصص " مملكة الانعكاسات الضوئية". و من ذلك تلك الإضافات في بداية بعض القصص. و هي تتراوح بين تضمين النص مقاطع لكتاب و شعراء و مفكرين معروفين، و التدخل المباشر الذي يمارسه الميثوبي معلنا ً عن وجوده الظاهر في صلب النص السردي. ففي قصة " غموض الروح"، يبدأ النص بالمقطع الآتي من كازانتزاكي" حياتنا ومضة سريعة، لكنها كافية". و الوقع أن هذا التضمين لا يمكن أن ينسب إلى راوي النص، و هو الطبيب الشاب، و لا إلى العجوز المريض لأنه ليس راويا ً للنص! و إذ نعتقد بأنه استطالة تعبر عن إحساس الميثوبي بأنه إمبراطور في مملكته، فإننا نرى أن ليس له من مسـوغ فني داخلي. و هـو إذ يرتبط بالمعنى العـام للنص فإنه يعـد كشـفا ً و فضحا ًمسبقا ً لهذا المعنى.و قد يختار الميثوبي أن يقدم نصوصا ً و اقتباسات ثم يعقب ذلك بتعليق قصير يبين شروط تواصله مع قرائه، أو يقوم باستفزاز القارئ داعيا ً إياه للتفاعل مع النص و التحليق في الأجواء ذاتها التي أوجدها. و هذا النمط من التدخل يمثل خرقا ً مقصودا ً لقواعد التمويه في اللعبة السردية. وهو يشبه عملية هدم الجدار الرابع في العرض المسرحي. ففي قصة " توهج بلازما الخيال" يكتب الميثوبي أكثر ما ثمانية عشر سطرا ً حول أهمية الخيال في متابعة و تلقي قصته هذه؛ فنقرأ أن الذي " يملك خيالا ً خاملا ً و لا يستطيع أن يرى حتى الواقع العادي أشك في أن يستطيع متابعة قصتي هذه." ( ص 65). و لا ينسى الميثوبي وضع اسمه بعد هذه المقدمة. و لكنه في قصة " أمسية قصيرة مع الأمير" يقوم بدمج المقدمة التوضيحية بالنص دون فاصلة أو إشارة إلى اسمه. ثم يدون ملاحظة في نهاية القصة تقول: " قد لا تمنح هذه القصة نفسها للقارئ الذي لم يقرأ رائعة دستويفسكي ( الأبله) لأنها تدور حول بطلها الأمير مشكين." و هذا التعقيب، فضلا ً عن أنه يكشف عن وجود المؤلف و يمثل تدخلا ً صريحا ً منه، فهو ذو طابع تحريضي للحث على قراءة رواية ( الأبله).و هكذا نرى بأن التناص سمة و وظيفة من وظائف الخطاب. و هو قدر لا فكاك منه لأي خطاب، حتى و إن حرص الكاتب على النأي بخطابه عن موارد الخطاب الأخرى. فليس ثمة من قطيعة كاملة بين الخطابات. على أن الميثوبي يصرح تارة و يلمح تارة أخرى بصور التناص بين نصوصه و النصوص الأخرى. فالتناص حاصل بين قصص الميثوبي و قصص و أعمال أدبية أخرى أشرنا لبعضها قبلا ً. و لعل التناص بين عنوان المجموعة، و هو " مملكة الانعكاسات الضوئية" و عنوان مجموعة محمد خضير الأولى " المملكة السوداء، هو أول مظاهر التناص و أبرزها. فإذا كانت مملكة محمد خضير سوداء لأنها تمتص ألوان الطيف الضوئي كافة، فإن مملكة الميثوبي هي مملكة عاكسة لألوان الطيف الضوئي كافة. بعبارة أخرى إن مملكة الميثوبي تمثل نقيضا ً لمملكة محمد خضير. و هو نقيض يستدعي نقيضه على مستويات الأسلوب و اللغة و طريقة بناء المشهد السردي، فضلا ً عن الحضور الكثيف للميثوبي، أو جليل القيسي، في مملكة الانعكاسات الضوئية، و الغياب المطلق لمحمد خضير في المملكة السوداء. و لعل المقارنة بين المجموعتين تستحق دراسة خاصة. و يمكن تلمس أثر التناص مع أعمال دستويفسكي في القصص: " توهج بلازما الخيال" و " جروشنكا" و " أمسية قصيرة مع الأمير". و لا يكتفي الميثوبي باقتباس أجزاء من أعمال دستويفسكي بالنص و الإشارة إلى ذلك في الهامش، و إنما يتابع الكاتب ذلك فيدفع الشخصيات إلى الدخول في حوارات طويلة تقوم أساسا ً على مناقشة الأفعال و التصرفات الشخصية و تحليلها فكريا ً و أخلاقيا ً، و هذا يؤدي إلى حدوث نوع من الاشتباك الحواري و المعرفي بين الميثوبي و دستويفسكي. و يشمل ذلك ما قامت به الشخصيات المتحاورة في هذه القصص نفسها، أو شخصيات أخرى مذكورة في أعمال دستويفسكي أو في أعمال روائية أخرى. و تنطوي هذه الحوارات على قدر كبير من تأمل الذات و تأمل الآخرين، و السعي لاستبطان الدوافع و الميول الإنسانية. و نلاحظ هنا بأن الميثوبي، و انسجاما ً مع غنائية السرد التي هيمنت على قصصه، لا ينقل سوى خطاب الشخصيات القريبة إلى نفسه، و لنقل الشخصيات الخيرة، أما الشخصيات الشريرة فهي لا تتمتع بمزية الحضور بنفسها و التعبير عن رأيها. و هو مما يكشف عن الانحياز المسبق الذي أشرنا إليه سابقا ً. و لكن ما يحظى باهتمامنا هنا أن الميثوبي إذ يؤسس بناءا َ سرديا ً غنائيا ً باذخا ً، و إذ تتمركز الذات الباثة للرسالة الأدبية في هذا السرد الغنائي و تفرض وجهة نظرها على المشهد السردي بكل تفاصيله، فإن ذلك يتناقض مع النزعة السائدة في روايات دستويفسكي. فهذه الروايات غالبا ً ما تكون متعددة الأصوات و مبنية على السرد الموضوعي الذي يتيح لكل شخصية، خيرة كانت أم شريرة، الفرصة كاملة حتى تمارس حضورها الكامل و تعبر عما ترى و تعتقد بحرية و دونما قسر. و هذا الأمر يؤشر فرقا ً فنيا ً أشرنا إليه، و يترتب على هذا الفرق فروق فكرية. ذلك أن دستويفسكي لا ينظر إلى الشر الكامن في النفس البشرية من الخارج أو من موقع الإدانة. و إنما هو قد يصل إلى حد التماهي مع الشخصيات الشريرة بوصف أن تجربة الشر في حضيضه و بؤسه إنما هي المعبر إلى التطهير و السمو نحو فضاء الخير. لذلك فإن الأوغاد و الطيبين يعاملون عند دستويفسكي السارد بالمساواة.و هناك تناص آخر مع أساطير بلاد وادي الرافدين، و استثمار لأغان بابلية و سومرية قديمة، فضلا ً عن استعمال ألفاظ قديمة في صياغة عنوانات القصص كما هو الحال في " نيدابة" و " مملو". أما قصة " الميثوبي" فهي تستثمر لفظة إغريقية لها ارتباط وثيق بالأساطير. و قد لاحظنا أن الميثوبي يريد لقصصه أن تكون عالما ً خاصا ً و شخصيا ً، لذلك لم يكن يتحرج من الظهور العلني في النص لأنه لا يشعر بضرورة وجود برزخ فاصل بينه و بين عالمه القصصي. فهو يروي لنا ما يراه و يشهده حتى و إن كان ذلك من عالم الأساطير و الكتب.إن مجموعة " مملكة الانعكاسات الضوئية"، إذ تؤشر نزوعا ً أساسيا ً نحو عالم الأسطورة و الخيال، فإنها لا تترك الواقع و مشكلاته خارج العالم الورقي الذي تخلقه. و بدلا ً من ذلك قام الميثوبي بوصفه منشئ النصوص بتحويل مشكلات الواقع و آفاقه إلى مشكلات و رموز داخلية في عالم السرد. و قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد التحريض على الفعل في عالم الواقع، كما في قصة " تذكرني مع شوبرت" التي تصور مسعى الميثوبي الحي لإنصاف الميثوبي الذي جرى أغتياله على نحو رمزي في الحلم الذي دونه كمال سعيد العلي عن موته. و لن يتم مثل هذا الإنصاف إلا إذا تحول الميثوبي الحي من التأمل إلى الفعل. و لكن إذا ما حصل مثل هذا التحول فعلا ً فإننا سنخسر الميثوبي و نربح ثوريا ً. و هذه صفقة خاسرة حقا ً. أليس كذلك. المصادر و الإشارات1. Freedman, Ralph ( 1963) "The Lyrical Novel" The Pennsylvania State University Press.2. Bonnet, Henri (1978) " Dichotomy of Artistic Genres" in Joseph P. Strelka (ed) Theories of Literary Genre. Pennsylvania. The Pennsylvania State University Press. (pp 3- 6).3. جليل القيسي، " مملكة الانعكاسات الضوئية" دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد. 1995.4. تعني كلمة الميثوبي ، في اللغة الإغريقية القديمة، صانع الأساطير و الحكايات. و كتابتها بالإغريقية على النحو الآتي: mỹthopoiỏs.
..............................................................................................................

From: Sotakhr.com

...............................................................................................................
جليل القيسي في ذمة الخلود (هامش لرحيله...) جلال زنكابادي
في أواخر تموز2006 نعت الأوساط الأدبية القاص وكاتب المسرحيات المعروف جليل القيسي،الذي توفي إثر مرض عضال،عن عمر ناهز التاسعة والستين،وبرحيله فقد المشهد الأدبي العربي المعاصر أحد مبدعيه البارزين،الذين رسخوا الإتجاه الحداثوي في مضمار القصة القصيرة،منذ ستينات القرن الماضي،كما فقده الأدباء والفنانون الكردستانيون كمبدع وكصديق حميم،مرهف الحس،جم التواضع وطيب المعشر.

ولد الفقيد جليل القيسي(والده من عشيرة الكروية القاطنة في ريف ناحية جلولاء،ووالدته كردية)عام1937 في كركوك،وقد ترك متابعة الدراسة بعد المرحلة الإبتدائية،منخرطاً في العمل،ثم غامر في مقتبل شبابه بالسفر إلى أمريكا؛لشغفه العارم بالسينما؛لعله يصبح ممثلاً في هوليوود،لكنه خاب في مسعاه،ولم يتحقق حلمه؛فعاد بعد قرابة السنة إلى كركوك،التي عاش فيها حتى نهاية عمره.وكان قد تعرض بعد إنقلاب شباط الأسود1963للإعتقال والتعذيب والفصل من الوظيفة،التي أعيد إليها في 1968ولم يبق فيها طويلاً؛إذ تقاعد بناءً على طلبه،متفرغاً لعالم الكتابة في خلوته الكركوكية الأثيرة،علماً بأنه لم ينخرط في العمل الصحافي كأكثر زملائه من(جماعة كركوك)ولم يمارس الترجمة الأدبية،التي كان في مقدوره أن يزاولها،لاسيما من الإنكليزية إلى العربية،كما أنه لم يكتب إلاّ بضع مقالات أدبية،ثم إنه كان زاهداً في الأضواء.

لعل أطرف مافي سيرة الأديب المبدع العصامي جليل القيسي هو دخوله عالم الأدب في1959بمحض الصدفة بعد قراءته لـ(الزوج الخالد)لدستيوفسكي،و(أرض ثمارها من ذهب)لجورجي أمادو،و(عناقيد الغضب)لجون شتاينبيك،إذ أحس برغبة ملحة في الكتابة،وكانت بدايته بالإنكَليزية"كنت لاأجيد اللغة العربية قدر إجادتي للغة الإنكَليزية؛لتركي الدراسة...وتشبثت أخيراً باللغة العربية..."وبالطبع إنتهج التثقيف الذاتي الموسوعي باللغتين العربية والإنكَليزية،كما أنه كان يتحدث باللغات الكردية والتركمانية والآثورية بطلاقة.

صدرت للقيسي خلال حياته أربع مجموعات قصصية قصيرة،وثلاث مجموعات مسرحية،وكتبت عن أعماله ثلاث رسائل ماجستير،في جامعات الموصل وتكريت وديالى،إضافة إلى بضع مقالات وبضع دراسات في الجرائد والمجلات...وكان القيسي بطبيعته عازفاً جداً عن المقابلات والحوارات الصحافية والتلفزيونية والإذاعية وإلقاء المحاضرات وخوض الندوات...ولم يلبّ طوال مشواره الأدبي طلبات المقابلة والحوارغير بضع مرات قد لاتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة،لعل أطولها هو الحوار الذي أجراه معه كاتب هذه السطور في مطلع1972لمجلة(مواقف)وقد نشرته جريدة(الجمهورية)البغدادية،وأعادت جريدة(العلم الأسبوعي)المغربية نشر معظمه آنذاك.

وفيما يلي عناوين مجموعاته القصصية وتواريخ وأماكن طبعها:
1-صهيل المارة حول العالم/بيروت1968
2-زليخة...البعد يقترب/بغداد1975
3-في زورق واحد/بغداد1985
4-مملكة الإنعكاسات الضوئية/بغداد1995

وهنالك قرابة مجموعتين أخريين من قصصه المتناثرة في الجرائدوالمجلات،أما مجموعاته المسرحية،فمنها(جيفارا عاد إفتحوا الأبواب) بيروت1971

وقد حظيت العديد من قصصه ومسرحياته بالترجمة إلى اللغات الأخرى،لاسيما اللغة الكردية،كما قدمت عدة نصوص من مسرحياته على خشبة المسرح.

لقد لعبت(جماعة كركوك)دوراً مؤثراً بارزاً في تدشين الحداثة الشعرية والقصصية العراقية والعربية منذ النصف الثاني من ستينات القرن الماضي،عبر مساهمات:فاضل العزاوي،سركون بولص،جليل القيسي،يوسف الحيدري،زهدي الداوودي،محيي الدين زنكَنه،مؤيد الراوي،يوسف سعيد،أنور محمود سامي(الغسّاني!)،صلاح فائق و جان دمو.وقد تميّز كل واحد منهم بشخصيته الأدبية المختلفة والمستقلة،ومستوى عطائه عدداً ونوعاً،ضمن التيّار المجدد...

وفيما يتعلق بجليل القيسي،فقد قام لتحقيق حداثته المنشودة بتحطيم حيثيات وأطر السرد التقليدي المألوف بسرده البديل،الذي سمّاه أخيراً بـ(السرد الإمبراطوري!)محطماً عبره وحدة المكان والزمن الإعتيادي(البداية،الوسط والنهاية)محلاً محله الزمن المتواشج مع سيكولوجية الشخصيات،في وحدة(زمكانية)جدلية،وهو يقول بهذا الخصوص"ثق،عندما تمتلك مخيلة برمثيوسية؛تستطيع أن تبتكر كل شيء،وتستطيع رغم تزمنك الخاص كإنسان أن تلوي الزمن وتخلق زمنك الخاص"كما أنه فرض هيمنة(الأنا)على أغلب سردياته؛لأن(الأنا)في نظره"عبر عذاباته الثائرة،هو مركز العالم"ولذا فإنه نادراً ما ينتقل في سرده من الضمير الأول(أنا)إلى الضمير الثالث(هو)...

لقدكانت(أنا)القاص(الراوية)و(المشارك)في سرديته مضمرة في مجموعتيه(صهيل المارة...)و(زليخة...) لكنها إستفحلت جهيرة صخابة لاحقاً وبإسمه الصريح(جليل...)وحاضرة بأقصى حالات التماهي النيرفانية؛وعليه يبدو الكاتب جليل القيسي في أغلب قصصه كما لو أنه"يتحدث عن نفسه،وعن ثقافته وإهتماماته،لا عن شخصية في العالم الموضوعي،مستقلة عن ذاته"على حد تشخيص الناقد(د.شجاع العاني)مما أدى ذلك إلى إقحام وفرض ثقافته الواسعة والعميقة على كينونات شخصيات قصصه كافة،حارماً إيّاها من إستقلالية سماتها وملامحها وخطاباتها المتنوعة والمختلفة الخاصة بها،كما في حواراتها،وذلك بالعكس من(البوليفونية/تعددية الأصوات)وهنا يتجلى(كعب أخيل)في فن القيسي،حيث يطفو المزيد من المصطلحات والمقولات الفكرية الجاهزة على سطح أغلب قصصه ومسرحياته،إلى حد إعاقة نموها الدرامي التلقائي،بحيث تسودها التقريرية والخطابية،وتعيق وتشوّش تلقي القاريء غير الملم،ثم إن العديد من قصصه تفتقد الصلة العفوية بين الواقع والرمز؛إذ تبدو الرموز وكأنها مختلقة لمجرد تجسيد مواقف فكرية مسبّقة،رغم أن القيسي قد أفلح في تصعيد القصة إلى عالم الشعر والأسطورة والفانتازيا؛مصداقاً لقوله"إن الذي يملك خيالاً خاملاً؛لايستطيع أن يرى حتى الواقع العادي"و"من غير خيال وضاء؛لايوجد إبداع"

ومع كل ما ذكرناه فإن البطل الرئيس،الذي يتكرر في قصص القيسي مع بعض الإختلاف في الملامح،هو اللامنتمي المغترب،وهو إيجابي،لايستسلم،وإنما يتحدى بحدة وعنف قدره،ويقارع إغترابه الذاتي والإجتماعي بنفس إنتحاري(سيزيفي-برومثيوسي)وهو لاينهزم،حتى لو تحطم؛مادامت تنتصر قيمه ومثله.

في تقييم منصف للكاتب القيسي،يقول د.شجاع العاني"إن جليل القيسي يحلّق عالياً في بعض قصصه،بخاصة تلك التي يستثمر فيها أعمال أدباء عالميين كبار،لكنه فناناً قد يضعف حين يكتب عن تجارب واقعية أو شخصية عاشها بشكل أو بآخر"وإستقصاءً لهذا الرأي نضيف أنه لايخفى على القاريء المتتبع،ناهيكم عن الناقد،تأثر القيسي إلى حد كبير بدستيوفسكي،إدغار ألن بو،كافكا،وبورخيس...ويتجلى تأثره في إستثماره لشخصيات نجنسكي ولوركا وفان كوخ وجيفارا وإسكندر المقدوني...إلخ بأسلوب الكولاج والتوليف،بل ينفرد أدب القيسي في مشهد الأدب المعاصر بكونه حقلاً هائلاً للتناص لم يحظ بأية دراسات معمقة؛فقد إستقى وإستوحى شخصيات وأحداث وأفكار جل قصصه ومسرحياته من نصوص أدبية وميثولوجية وتاريخية وسير ولوحات فنية...متخذاً من الموروثات البعيدة والقريبة أقنعة للتعبير والتلميح عن موقفه من الواقع المعطى ورؤيته في الوجود،وبذلك فإن فضاءه السردي الرحيب مهما بدا غرائبياً ويوتوبيّاً بتضاريسه الرمزية والأسطورية،يعكس جمالياً واقعه المعطى المعاش؛وهذا يعني أن أدب القيسي ليس مبتور الصلة بالواقع حتى في أقصى تحليقاته الفانتازية،ففي قصة(مملو)على سبيل المثال،يقوم الكهنة بتمجيد الملك الطاغية(أمارسين)الذي يعني إسمه(المحق والفناء)كما يقوم ناسخو الملك وكتابه بتزوير التاريخ والحقيقة لصالحه...فياترى ألا يدين القيسي،في قصته هذه،طغيان وإستبداد دكتاتور بغداد وأزلامه العفالقة المروجين للزيف والتزوير على الصعد كافة؟!

يقيناً إن كل ما كتبه المبدع القيسي كان ملغوماً ضد الفاشية والشوفينية والعسكريتارية والدكتاتورية،وكان في الوقت نفسه دعوة للحرية والمحبة والجمال والإبداع والسلام.

..............................................................................................................

From : Alriyadh.com

............................................................................................................
جليل القيسي والرحيل المؤجل
فاطمة المحسن
رحل جليل القيسي الأديب العراقي عن عالمنا قبل أيام، وكان بكركوك عندما ختم حياته في هذه المدينة التي رفض مغادرتها إلى العاصمة او إلى بلد غربي كما فعل رفاقه الذين عرفوا بجماعة كركوك : سركون بولص، فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، جان دمو، أنور الغساني وغيرهم.
جليل القيسي الذي عد أول الطليعيين في النص القصصي والمسرحي العراقي، كان أدبه وسيرة حياته فاصلة مهمة لقارىء تاريخ الثقافة العراقية الحديثة، وهو شأنه شأن أدباء البصرة العازفين عن استبدال مدينتهم بإغراءات العاصمة، تردد عالمه الأدبي ضمن مفارقتين للطليعية في العراق: المكوث في المكان والرحيل عنه عقليا وروحيا. وعدا محمد خضير الذي كانت البصرة أشد سطوعا من سواها في مادته، كان نصيب كركوك في نتاج القيسي، ما يليق بمقامها في ذاكرته، مدينة تسبح في تهويمات الخيال والتاريخ ومقولات الأدب. يقترب القيسي في هذا الموقف من محمود البريكان، ولعل عزلته التي يتحدث عنها في لقاءاته الصحافية الأخيرة، محض رغبة في مطارحات مع الذات كما يفعل الوحدانيون في المدن التي تضيق بهم. جليل القيسي بلا شك يحمل سمات وتطلعات الجيل الذي لايضع نفسه في صندوق التقاليد الخمسينية، سواء كسلوك ثقافي أو كنتاج أدبي، ولكنه أيضا يحمل بقايا تلك النزعة التي وضعت أساس ما يسمى بالثقافة العارفة في العراق حيث ينفصل المشتغل في عالم الأدب عن محيطه.
استقبل نتاج القيسي عند ظهوره باحتفاء كبير، وخاصة مجموعته القصصية الأولى (صهيل المارة حول العالم) التي صدرت عن دار حوار ببيروت العام 1967، وكتبت عنها الصحافة اللبنانية، ثم أصدر مجموعة مسرحيات بعنوان (جيفارا عاد، أفتحوا الأبواب)1971، وتضمنت ستة نصوص، ثم أعقبها بستة نصوص مسرحية أخرى بعنوان (وداعا أيها الشعراء) 1979، ثم ( ومضات خلال موشور الذاكرة)، ونشر في سنواته الاخيرة عددا من الأعمال التي لم تصل إلى الخارج.
ولكنه كقاص بقي مقلا عزوفا عن الشهرة والطموح، فالكتابة بالنسبة اليه أقرب إلى طقس روحي، كما يقول، ولا يهمه من لا يدرك هذا الطقس أو لاتصله منه تراتيله. ولعل حرصه على التمايز والكتابة الجديدة وملله من نمط القصة المتداولة وراء استهانته بأمر النشر.
بقي جمهور القيسي محدود العدد ولكنه نوعي وينتظر منه الكثير، غير أن قصة محمد خضير التي ظهرت في وقت متزامن مع ظهور قصص القيسي ورفاقه، طغت على بريق شهرته وشهرة مجايليه، وحازت على السبق في انجذاب الجمهور الواسع اليها.
سركون بولص وفاضل العزاوي خاضا غمار القص الحديث الذي يختلف عن القص المتداول في العراق، ومع ان العزاوي في روايته (القلعة الخامسة) كان يبحث في خطاب مختلف، دون المساس بواقعية الإسلوب، غير ان محاولته إشادة أدب يعبر الاجناس في (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة)، كان اقرب إلى سعي القيسي، كما اقترب في أعماله اللاحقة من فانتازيا استحضاره الشخصيات الأدبية في النص القصصي.
بقي القيسي متشبثا بمكانه الأول، كركوك المدينة العابرة للأنساب والأرومات، وخاصة في زمنها الإبداعي: الستينات والسبعينات، فهي خلائط من القوميات والألسن والأديان والمذاهب، ولعله وهو العربي الأب والكردي الأم، يشخص نموذجا لذلك التنوع، ففي صغره لم يتكلم سوى الكردية، كما يقول في حديث منشور، وتعلم التركمانية من الشارع، والعربية في المدرسة والكتب، والانكليزية من بيئة شركات النفط وثقافتها. وكانت الفنون الغربية بما فيها الموسيقى والسينما والمسرح هاجسه الأول، والسينما التي تحضر في نصوصه، تشكل جزءا من أحلام المكان، حيث هوليود وأبطالها واقع يعيشه المثقفون الجدد ويرتحلون اليه في طموحاتهم القصوى.ولكنه لم يرتحل إلى هوليود ولم يذهب به المكان إلا في زورات متقطعة إلى بغداد.وحتى بعد أن سكن رفاقه العاصمة ومنها إلى العالم الواسع، بقي يرعى عزلته، فمكانه الخاص هو أحلام اليقظة والقراءات التي تضع الدنيا على طاولته.
قصص القيسي تزدحم بمقولات الكتب، وتحفل بعروض التثاقف، ولكنه وهو المترفع عن الادعاء، يبدو وكأنه يقايض الحياة بالكتب، ويقطف الثمار الجاهزة من حدائق الأدب العالمي التي تسكن رأسه.
يقول القيسي في مقابلة أخيرة له : (( الفن مثل رؤيا روحية للحياة.في قصتي (بلازما الخيال) كنت أرى دستويفسكي بأم عيني، كذلك الأسكندر المقدوني في قصتي (اللازمني) ومع رامبو في (كبير ملائكة الشعر)، ولعل هذا التصور عن موضوع الخيال والتوهم، بداية لرصد تفاعل ارادي وروحي للكاتب، فهو يلحظ نفسه متلبسا بفعالية عقلية يحيلها إلى الخيال والفانتازيا. انه ينتظر دهشته التي يصنعها من عالم يراه أرحب من الواقع وأقل فوضى وارتباكا منه، فأبطاله في ورطة حصارهم، تسوقهم الأقدار إلى مغامرات يحاربون فيها أشباح العزلة بتعويذة المقولات فهو صّياد أفكار وكلمات، وقاموسه القصصي يستعين بالأدب قبل الواقع.
سيرة القيسي الشخصية تسجل من خلال كلام الذين عرفوه، نموذج المثقف المتواصل والناكر ذاته في رعاية الأصدقاء والشباب المحتاجين عونه الأدبي وتوجيهه، وفي الظن ان التزامه الاخلاقي يرتبط بخياره اليساري الذي بقي يطل برأسه في قصصه ومسرحياته المنشورة، على رغم طموح تجاوز الأطر الايديولوجية في الكتابة.
انقطعت السبل بجليل القيسي في سنوات العراق العجاف، وبقي وحيدا دون صلة باصدقائه، ولكنه لم يرضخ لمطالب التقرب من السلطة، وبقي موضع فخر شلته في المهاجر.كانت آخر قصة نشرها (باتجاه المزيد من الينابيع) مجرد حلم كابوسي عن السجن وفقدان الثقة والتواصل بين الناس بسبب الخراب الذي يتولد عن القمع والتسلط.
كتب مؤيد الراوي آخر قصيدة عن جماعة كركوك وأهداها إلى جليل القيسي الراعي الروحي لهذه المجموعة في شوطها الأول، ولعلها واحدة من أجمل قصائد الإعتراف في الأدب العراقي الحديث، فهي اقرب إلى مرثية مع لازمة موجه إلى القيسي (رأيتَ مالم نرَ)، حيث يستطرد :
ها نحن أصبحنا مفلسين من الوهم
لأننا
كررنا ما رأينا
والأيام كانت الأيام، تنزع جلودها كالأفاعي
ليمضي بنا الوقت
بطيئا
ونحن
ننتظر
ريحا أخرى تنشر لنا القلوع
.

..................................................

..................................................
Jalil al qaysi-kirkuk 2006

.................................................

.................................................
BABA GURGUR FIRE IN KIRKUK

------------------------------------------------

------------------------------------------------

---------------------------------------------------

---------------------------------------------------

HOMAGE to Jeli al qaysi

HOMAGE to Jeli al  qaysi
Graphic works from kakayi as a homage to jalil al qaysi

From: Iraqiwritersunion.com

--------------------------------------------------------------

اتحادنا: مؤيد الراوي ... رسالة اخيرة من جليل القيسي


في بداية هذا العام إلتقيتُ صدفة بأحد المعارف، وعرفت منه أنه ينوي السفر عبر تركيا إلى كركوك. لم يكن الوقت يسمح لي بكتابة رسالة وافية لجليل القيسي، لذلك كتبت له على ورقة صغيرة ونحن ننتظر السيارة التي ستقله إلى المدينة التي أحببناها والتي تركناها جميعاً ما عدا جليل. كانت هي الرسالة الأولى التي اختصرت مودتي، بعثتها هكذا إلى المجهول؛ لأنني لم أكن أعرف عنوانه ومصيره بعد أكثر من ثلاثة عقود من الإنقطاع. وكان على الصديق أن يسأل عن القيسي في مدينة تغيرت معالمها الجغرافية والديموغرافية تغيراً كلياً، مثلما تغيرت العلاقات فيها بخليط من الوافدين وبالتوتر الشديد بين القوميات والأديان والطوائف، والصراع الغفل على ملكية المدينة. ولأن رسالتي كانت قصيرة لم تشف غليل القيسي، من حيث سرد التفاصيل عن حياتنا ومشاريعنا ومصائرنا، نحن أصدقاء اليفاعة، وهو الذي تخيّلَ بالتأكيد عوالم في المغامرة أبطالها نحن، فقد ردّ في رسالته التي حملها معه الصديق معاتباً يُستشَفُ منها الأذى، والذي آذاني بالتأكيد وجعلني أشعر بالإثم في غياب صديق عرفناه جاداً وأخلاقياً مخلصاً في العلاقة حتى سميناه " الفارس"، مع جان دمو وسركون بولص لإستقامته وبتمسكه القوي بالصداقة. وعندما أنشر الآن الرسالة الخاصة التي وصلتني منه، وهي أول وآخر رسالة، أشعر بالغصة ولا أصدق رحيله، وكأنما لا زال في ركن بمدينتنا كركوك ونحن عنه غائبون، وسيأتي اليوم الذي نعود فيه ونلتقي مجدداً. أليس هذا ضرب من الدفاع عن النفس ومداورة ملتوية للتقليل من سطوة الزمن؟ لكننا كما يبدو نتعلمها في المنفى عندما نلتقي بمن نعرفهم بعد عقود من الغياب ثم يرحلون إلى غيابهم من جديد ونحن ننتظر.منذ أن غادرت العراق نهاية 1969إنقطع التواصل بيني وبين جليل القيسي بسبب الخوف والتوجس من النظام الدكتاتوري، خوفاً عليه من رسائلي التي ربما ستقوده إلى المتاعب، وكذلك الأمر مع سركون بولص وأنور الغساني الذي يعاتبنا في رسالته. في كركوك، بداية الستينيات، كان لقاء سركون وجان دمو والقيسي ومؤيد لقاء شبه يومي، يحمل كلٌّ منا جمرته وينحني على عالمه الصاخب ليكتشفه، يجابه الإرث الاجتماعي والثقافي بوعي نقدي متحولاً من التخاطب مع الآخر، في سياق الموروث الأخلاقي والأديولوجي السائد، إلى الغوص في الذات لمعرفة تعارضاتها وغناها في ذات الوقت.كانت الحوارات والقراءات والاكتشافات الفردية والمعايشات الحادة فيما بيننا تقدم لنا كشوفات جديدة وغنية، كشوفات مخالفة لما كان سائداً على الأغلب في الثقافة العراقية والعربية. منذ البداية كانت اللغة الجديدة التي نصبوا إليها في الكتابة لا تعني مجرد تغيير الكلمات أو تجميل العبارات بقدر ما كانت تعني انقلاباً في رؤية الأشياء من زاوية مختلفة لما كانت تستنسخها الرؤية السابقة. لغة ستأتي من تلقاء نفسها في النص لدى تغيير زاوية الرؤية، في الشعر وفي القصة، وذلك بتقديم رؤية جديدة تنبثق من الذات التي ترى العالم على نحو مختلف، كلّ وفق دواخله واقتناصه للعالم الذي يلتاع فيه ويريد أن يفهمه و يقدمه. كانت النصوص في الشعر مشاكسة، مغامرة، ذاتية و تجريبية تضدّ ما هو متبعٌ في الشعر العراقي والعربي عموماً لجهة إنهاء الرومانسية ونفي أغراض الشعر العربي الذي إنتقل إلى الشعر الحديث وأن كان هذا الشعرعموماً غير ملتزم بالأوزان التقليدية، بتعبير آخر تخليص الشعر من سرد الشخص الثالث وخطابه المباشر التربوي والثوري أو بتقديم الشكوى وسفح العاطفة غير المتبلورة والابتعاد عن الذهن، وعدم الاقتراب من الذات المتخيلة التي تعيش تناقضاتها مثلما تعيش وتتأثر بتناقضات العالم الذي يحيط بها. إجمالاً شعر التكرار الذي لا يعيش مغامرة الكشف وينأى عن المخيلة وهو ميتٌ أصلاً في قوالنه. أما في النصوص القصصية فقد كانت المناقشات والحوارات حول ضرورة نبذ العقدة الموبوسانية والتخلي عن إرث التشيكوفية، وكذلك عن نقاء القصة وعدم جعلها حمّالة لمشكلات الوعي الاجتماعي والأخلاقي، وأن لا تنطوي على أساس ايديولوجي.: كما في قصة غائب طعمة فرمان مثلاً " سليمة الخبازة " التي تريد أن تقول بأن الرأسمال الكبير يأكل الرأسمال الصغير. في ذلك الوقت، عبر الجدال والإضاءات والحوارات التي تتجاوز الكلمات، بالسلوك المتجاوز وبالحياة الشقية وبالإخلاص لضرورة اكتساب الوعي وإدراك شحنات الداخل، وكذلك بالقراءة المعمقة لثقافة العصر للإحاطة بها، تمكنت المجموعة من وضع أساس مشروعها الثقافي. في تلك الفترة أيضاً، وحتى منتصف الستينيات كتب جليل القيسي مجموعته القصصية " صهيل المارة حول العالم " التي تعتبر مقدمة مهمة في نصوص القصة القصيرة التي تتجاوز القصص التقليدية، وتروح خطوات نحو مغامرة الفكر لتعكس إلتباس العالم كما هو. وكذلك قصص سركون بولص المشحونة بتفاصيل خلاقة لا يدركها إلاً من يملك رؤية ذاتية مختلفة ويريد عبر الكتابة أن يرى نفسه اولاً ويمسك بعالمه الذي يفلت منه كل لحظة.على أية حال ثمة الكثير لما يمكن أن يقال عن تلك الفترة، ويلزم علينا، سركون وأنا، أن نستذكرها بحب ونسجلها، خاصة بعد رحيل جان دمو وبعد أن خلد جليل القيسي إلى النوم الأبدي. هذا ما أثارته عندي الرسالة التي تلقيتها من جليل وفيها أنوارٌ من نبل العاطفة، كما فيها تنويه لمحنته في منفاه بكركوك. حقاً كان القيسي جاداً وعصامياً ونبيلاً ومنتجاً، كرس نفسه، بقدر وعيه للإبداع، وربما كان أكثرنا نبلاً ومعاناة.رسالة القيسي لمؤيد الراويكركوك / شباط 2006(....) فجأة تصلني منك، بعد ثلاثة عقود من الاغتراب، رسالة قصيرة باردة، وكأنّ القوى الوضّاءة لدى مؤيد المبدع قد جفت. لكنني مع ذلك حاولت أن أتذكرك واستحضرك بالصفاء الذي أريده، لا عبر رسالتك، بل من خلال ذلك الماضي الذي ملكناه وملأناه بكل ما هو مفيد ومتفاعلٌ وحيوي، إلاّ انني في الواقع لم أتمكن استحضار ذلك الماضي بتفاصيله الكاملة، ولم تعينني رسالتك المقتضبة على ذلك عندما أثارت لديّ الشجون وتغلبت عليّ العاطفة. يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا: لا يستطيع الانسان استرجاع الماضي بوضوح، لأنّ (الآنَ) يتدخل ويفسده. هكذا بعد قراءة رسالتك حاولت، مرات عديدة أن استنجد بذاكرتي لأجمع شتات الأحداث والوجوه القديمة التي غابت عني وابتعدت في المنفى، لكن الذاكرة راحت تتلعثم في الإجابة عليّ، وحتى على الأحداث القريبة. لولا القراءة يومياً ثلاث ساعات تقريباً، رغم ضعف بصري، وهي تعمل حتماً على تنشيط دماغي المتعب، لأصبت بمرض الزهايمر الذي تعاني منه زوجتي منذ عام. آه، أيها العزيو مؤيد، كنت أنتظر منك بلهفة رسالة تنطوي على سماء من أروع الكلمات؛ عن حياتكَ وعن الأصدقاء وعن الأسرة، لكنك كنت بخيلاً. أنتم أبناء ألمانيا وكوستاريكا وأمريكا بالتبني (في إشارة إلى فاضل العزاوي وأنور الغساني وسركون بولص. م) أنجزتم الكثير، ولكن اوجاعكم لم تكن قليلة أيضاً. هل ما زلت يا مؤيد تعاني من عذابات غير مفهومة مثل فان كوخ، وكالمتصوف تحاول الهرب من الزمن لكي تنسى. أما أنا فقد عشت عقوداً خرافية من الخوف ومن الرعب في ظل الفاشية الصدامية حتى أصبح الخوف عندي ضرباً من المتعة، ولا أعرف في الواقع كيف نجوت من فك الماكنة القاتلة، وبأي مزاج كتبت أعمالاً أعتز بها. أما الآن، بالرغم من الفلتان الأمني المريع، أكتب بحماسة فيما أردد مع نفسي كلمات الشاعر البرتغالي ريكاردو رييس:ما زلتُ على قيد الحياةغير مكترثٍبأحدْأنا الذي يُجبرٌ الجميع على الصمتأنا الذي يتكلم قدرنا، أيها الحبيب، أن نبقى بثبات إلى جانب عشاق الحياة، بغض النظر عن فوضوية اصطخاب التاريخ، لآنّ فهمنا، إلى حد ما، بشمولية الحياة يضخّ في عروقنا المزيد من عصارات الحب والمزيد من الثقة (...).جليل القيسي قاص وكاتب مسرحي ولد في كركوك،. صدرت مجموعته القصصية الآولى " صهيل المارة حول العالم " في منتصف الستينيات، عن مجلة حوار اللبنانية، طبعت بملامح الحداثة للجيل آنذاك. عاش القيسي مع مجموعة كركوك التي غادرت العراق فيما بعد لمواقفها من الإبداع والحرية المضيقة عليهما تحت نظام البعث في العراق. وقد اتهمت بالتنكر للتاريخ العربي والتراث القومي (كذا) وقمعت مواقفها الليبرالية من الثقافة. وقد آثر القيسي، فيما بعد، مع اشتداد الحملة الإنزواء والصمت والبقاء في مدينته كركوك، شبه منقطع عن العالم وعن أصدقاء الشباب الذين هاجروا ورحلورا الى المنفى، على رأسهم أنور الغساني وسركون بولص وجان دمّو وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي. وطوال عقود، بسبب الدكتاتورية البعثية في العراق، لم يتم بينه وبينهم اللقاء أو حتى تبادل الرسائل. وأسقط جدار ثقيل ليحول دون المودة والحب القديم بين القيسي وخلية كركوك الثقافية .

--------------------------------------------------------------

From: Iraqalkakema.com


كاتب الموضوع: رعد مطشر - 04-08-2006
كرخيتي لآلئ النور
أرّخ لها: رعد مطشر
الى روح الجليل جليل القيسي
جرائد طائرة إلى كركوك:
ذات مساءٍ، سمعتُ المدينةُ بالخبر، خبر الحكاية، وأنتشر كالبرق بين أفواه العجائز حول مواقد الشتاء المرتجفة من صليل الرعد، وتثاؤب الصحو مع سقوط المطر بكثافة شديدة، وقبل الفجرِ صار الخبرُ مُشاعاً، فالتهمت المدينة تأريخ جرائدها الطائرة التهاماً، واندلقت أحشاؤها مع اندلاق المطر إلى البيوت والمجاري والأزقّة الموغلة في بردِ الشتاء، وفي الرؤوس العالقةِ بحّبات الجنون، طالقات الجناح للحكاية كي تطير وتكبر، وهكذا.. ظلّت البيوت تروي وتحوّر حتّى ضاع أصل الحكاية، وصار كلُّ واحدٍ يروي حكايته هو لينسبها إلى أحداث ذلك المساءِ البعيد، حين أنتشر الخبر كالبرق في أفواه المدينة.. مازالت المدينة تأكل جرائدها الطائرة، كلّ مساءٍ، مع صليل الرعد والمطر النازل برؤوس الراحلين.
أما عند الظهر، يصلُ مؤرّخ المدينة إلى (قبوهِ) فيهجع طير العمر المهزوم إلى الأبد على جسمِهِ الموشوم بإبرة المدينة وتأريخها، فتحيا على ضلعه كل الأسماء القديمة للمدينة مذ كانت مركزاً لعبادة إله الرعد والأمطار في مسلّة( النصر) التي أقامها ملكٌ بابلي غير معروف والذي دوّن فيها فتحه لكركوك بهذه الكلمات:
-[ دخلت كيرخو آرابخا وقبّلت أقدام الإله أدد وأعدت تنظيم البلاد].. وحتّى هذه اللحظة التي يفتح فيها المؤرخ كتاب المدينة ويوضح:
- كركوك؛ واحدة من أقدم المُدن العراقية في المنطقة الشمالية، تمتدُّ جذورها إلى عهد الحضارة السومرية، عصر فجر السلالات (2600ق. م).. والسومريون والأكديون هم أول من سكن المنطقة وتبعهم البابليون والميتانيون والآشوريون والكلدانيون، ولقد ورد أقدم ذكرٍ للمدينة في الألواح ( السومرية) المسمارية التي عُثر عليها عام(1922) مصادفة قلعة كركوك باسم (آرافا) ويبدو إنّ أصل الاسم هو (أربخا) ثُمَّ حُرّف إلى (آرافا) وقيل إن الاسم مأخوذٌ من الكلمة الآرامية(ربخا) والتي تعني الحبل الذي فيه عُرَىً يُشدُّ الخروف، وذكرتها المصادر الآشورية كمركز لعبادة الإله (أدد) إله الرعد والأمطار كما ورد في مسلّة النصر!!
حين فتح الملك البابلي... كيرخو، وقبّل أقدام الإله، موغلاً في تأريخ المدينة الذي يرتقي إلى منتصف الألف الثانية قبّل الميلاد. غارت عينا المؤرّخ وهو يروي لنا تأريخ المدينة المستباح قديماً، وكيف بنيت المدينة الجديدة على أنقاض مدينةٍ تآكلت تحت تسمياتها الكثيرة وعرائش الجثث الآتية من متحف الموتى وهم يروون تواريخ الخدائع والحبائل التي استهدفت تشويه ملامح المدينة القديمة ( كيرخو) التي تعني القلعة، أو(آرابخا) التي ذُكرت في عهد الملك البابلي العظيم حمورابي، أو في زمن الملك الآشوري( ناصر بال الثاني) الذي بنى قلعة كركوك قبل عام (850ق. م)، أو بعد سقوط نينوى عام(612ق. م) حين تعرضت لغزو الاسكندر المقدوني، أو حتّى بعد وفاته حين سيطر عليها( سلوخس) أحد قادة الاسكندر، فبنى عليها سوراً وسُمّيت لذلك( بكرخ سلوخ) أي حصن سلوخ. أو في تعدّد أسمائها؛ كوركورا- كرخيتي- كركيتي- آرافا- عرفة... أو... عند هذا يسكت مؤرخ المدينة الحيّ، تاركاً خلف ظهرِهِ، ياقوت الحموي ومعجم بلدانِهِ، وابن الأثير وكامله؛ مشيراً إلى موقع المدينة (في وقت الحاضر) على جانب الوادي الأدهم( خاصة صو)، مذكّراً بدور نفطها، بنعمتِهِ ونقمتِهِ على المدينة، بأتساع عمرانها وأبنيتها التراثية وجسورها، وإنفراد نظافتها وبياضها الذي يمسك بك لتحبّها، تحب جوامعها، كنائسها، أسواقها واختلاف ألسنتها، تسحر سمعك أصوات مقاماتها، شِعرها، موسيقاها، سحر بنائها منذ أن تدخلها حتّى تصل إلى صوبها الكبير المطرّز بقلعتها وسوق قيصرتها العجيب. يسكت المؤرخُ قبل أن ينتهي تأريخ المدينة التي.. لا نهاية لها.

مابين كيرخو والقيصرية.. كان الزمن محضُ بناء:

أرتاح من الأمس الذي ظلّ يطارده، رغم أنَّ الساعة ما زالت تعاكسُهُ، تدقُّ في جيبه، فينتبه الحرّاس الغافون في شرفات القلعة إلى ذلك الرنين الجسدي في الجانب الأيسر للجسر وذلك الأنين الغافي في عيونهم وأقدامهم، الطافي على الأرض الملأى بالحجارة المتساقطة من منازل الأمس. يرقبون الرنين والأنين على الجسر، يركضون في أروقة الخراب والسبايا المتناثرة في المقابر والأضرحة والمقامات والممّرات في القلعة العتيقة. القلعة، بمعالمها الأثرية، وتاريخها الممتّد إلى (2600ق. م)، وسكّانها الأوائل، السومريون، ومن أعقبهم، في القلعة ( القلعة القديمة) الواقعة في الصوب الكبير من المدينة الحالية شرقي نهر ( خاصة جاي)، يصعدون، يرتفعون فوق ارتفاعها البالغ 18متراً من مستوى الأرض، ثم ينحدرون نحو الأسفل، وأخيراً يدورون على شبه استدارتها، يبحثون عن بواباتها المختفية تحت جنح التأريخ، هنا بوابةُ غربية شُيّدت في العام 1822، قريبة من الجسر، وبوابة ثانية تطلُّ على الجسر الحجري من الجهة الغربية أيضا، والثالثة تنفتح- فيما مضى- على سوق بائعي الحلوى، أمّا رابع البوابات فينفتح على سوق (سبع بنات).. ويجدون بوابةً خامسة- ينساها البعض- من جهة الشرق. ولا يخرجون إلاّ من البوابة الوحيدة المتبقيّة في الجهة الغربية من القلعة، وتطل على نهر الخاصة، يغوصون في عمرها الممتد إلى (150)عاماً، يمروّن تحت أقواسها المدبّبة والنصف دائرية، عابرين قبوها شبه البيضوي. ثمَّ يعودون ليستريحوا بين شجيرات التين الثلاث وهي تغفو تحت ضل القلعة، مردّدةً أغنية كركوك القديمة: (ليتني كنتُ حجراً في أساس القلعة).
يرجح المؤرّخ من إنثياله الممزوج بالخيال، ربّما كان واقعاً يستعرض تاريخ القلعة، يُصفها، يرسم معالم آثارها، يستطرد في ذاكرتها:
- للقلعةِ أربع بوابات رئيسية (كما قلنا)، وفيها ثلاثة أحياء قديمة؛ حمّام، أغاليق، وحيّ الميدان. وفيها مبنى السبع بنات بطوابقه الخمسة. إضافةً إلى بيوتها الأثرية؛ ذات المواصفات النادرة والفريدة، فهناك، أمامكم (دار طيفور) المتكّونة من ثلاثة دور متداخلة، الأولى ذات أعمدة مرمرية دقيقة، ولها نوافذ مؤطرة بالزخارف والمرمر، والثانية تتكون من مجاز وسرداب وكشك صغير، أما الدار الثالثة فهي ( بيت العروس) كان السمرُ والسهر فيها، وفي (طارمتها) الصغيرة وغرفتها المستطيلة.
- وإذا ما تركنا البيوت التراثية ( بيت المرمر، وصديّق علاّف، وعلى آغا)ومتناسين اختفاء بواباتها الأربع ( بوابة الحجرية/ باب الطوب/ سبع بنات/ باب الحلوجية) سنرى: الجامع الكبير، جامع النبي دانيال، كنيسة أمّ الأحزان، القبّة الزرقاء، جامع عريان، وقيصرية كركوك العباسية.
وسأمرّ على أجسادها وتواريخها معكم، نشمُّ رائحة واليوكالبتوس والزعرور والنبق الغافي تحت سور العتمة، نروي أطلالها، نرفعها من تحت يدّ الجلاّدين المتعاقبين على غزو المدينة- القلعة- نثّبت تشريد ساكنيها، نسرق حفنةًً من ترابها، نبحث عن ألواحها التي ظهرت في القلعة عام1922، ونستغفر من أخطائنا فيها، وعليها: هل ظلمناكِ أيّتُها المدينةُ الخرافة ونحن نروي أخطاءك المستعادة؟
على شكل شرح جامد الروح؛ فدعينا نمرُّ على آثارك هكذا:
- فالجامع الكبير: يعرف- أحياناً- بجامع مرجانة، ويتألّف من أربعة أروقة ترتكز على دعامات مضلعة تتصل الواحدة بالأخرى بمنافد معقودة على شكل أقواس نصف دائرية. وأحياناً يسمّى هذا الجامع بجامع الأم ماريا، أو (مريم آنا) ويعود تأريخه إلى القرن الثالث عشر (الميلادي). وبنائه مستطيل مساحته(1500) متر مربع تقع في أحد أركانه منارة مدبّبة من الطابوق... أما..
- جامع النبي دانيال: والجامع معروف بمئذنته التي يعود تأريخها إلى أواخر العصر المغولي ويتميّز بالعقادات والأقواس التي تقوم على قاعدة مثمنّة، بجانب المنارة المبنيّة من الطابوق القاشاني، وتبلغ مساحة الجامع (400) متر مربع وفيه قبور، غير مؤكدّة، للأنبياء ( دانيال- وعزرا- وحنين) ونرى إن الجامع يحتوي على مشهدين متجاورين ومصلّى يطلُّ على فناءٍ مكشوف. و..
- كاتدرائية أمّ الأحزان: أو كنيسة أمُّ الأحزان، وقد بنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة. وهي مشيّدة بالحجر والجصّ حيث تقوم سقوفها وأروقتها على أقواس وأعمدة مرمرية، وهي آية فنية في بنائها الذي يعود إلى العام 1812م. ونذهب إلى....
- القبة الزرقاء: تقع وسط القلعة وهي مثمنة الشكل من الخارج ومربعة من الداخل، وتتميز كبقية آثار القلعة، بطرازها المعماري المبني من الطابوق والنورة والجصّ. يبلغ قطرها خمسة أمتار، وارتفاعها عشرة أمتار. وطراز بنائها يشبه الطراز المعماري للمساجد التي أقيمت في محطات استراحة القوافل في المعهد السلجوقي. وبنائها المثمّن الشكل تتخلّله الزخارف الآجرية النباتية، وهي مطّعمة بالقاشاني الملون، ومزيّنة بشريط من الكتابة في أعلى البناء- من الخارج- ومن هذا الشريط نعرف أنَّ تأريخ استخدامها في عام (762هـ) أيّ أن تأريخها يعود إلى 700سنة تقريباً ومساحة القبّة (820)متر مربع وارتفاعها هو(17)متر.
- جامع عريان: ويقع وسط القلعة (أيضاً) ويتميز بقبّته الكبيرة، القائمة على أربعة أضلاع متساوية، ترتكز عليها ثمانية أضلاع تعلوها ستة عشرَ ضلعاً، تشكل قاعدة القبّة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً. ويعود تأريخ إنشائه إلى سنة(1142هـ) وها نحن نصل إلى...
- سوق القيصرية: وهو سوق عجيب، وشاهدٌ من شواهد المدينة الكبيرة، وتأتي غرابة هذا السوق من أرتباطة بالزمن والتقسيمات الفلكية له: إذ أن عدد ( المحال) هي 360 محّلاً ( دُكّاناً)، يمثّل عدد أيام السنة، وبين هذه المحلاّت أربعة وعشرون ممرّاً تمثّل عدد ساعات اليوم. وللسوق سبعة أبواب تمثّل عدد أيام الأسبوع، وتقع فوق المحلات شقق سكنية، عددها أثنتا عشرة شقة تشير وترمز إلى عدد أشهر السنة، ويعود تأريخ بنائها إلى (العام 1800م) وموقعها في الجانب الشرقي في أسفل القلعة. والسوق يتميّز بطرازه المعماري الجميل وبأقبيته وأقواسه ومقرنصاته وزخارفه. تعلو سطحه قبب مسطّحة، في منتصف كل منها فتحة سقفية لأغراض الإضاءة والتهوية. والسوق من مراكز المدينة المهمّة تجارياً، كان فيما سبق، سوقا للبزّازين والعطّارين والنسّاجين والخفّافين والخيّاطين وصبّاغي الأقمشة و الغزول.
ينزل المؤّرخ من قلعتِهِ يقف بين جسرين، يحصر النظر بينهما إلى القلعة، خلف نهر الخاصة، يرى ارتفاعها، ويتذكّر الغزوات والأقوام التي مرّت عليها بالأمس القريب. البعيد، من هنا، وهنا كان السومريون، ثم الأكديون، الميتانيون، البابليون، الآشوريون، الفرس، والدولة العثمانية التي بنت دور القلعة التراثية. يعدّ دور القلعة الباقية، ويرسم أحياءها؛ الميدان شمالاً، القلعة في الوسط، وحيّ الحمّام جنوباً يتذكّر أبراج القلعة( الاثنين والسبعين)، ومداخلها.. وينسى بأنّ كركوك اكبر مركز للبترول، ينسى ذلك، لأنَّ المدينة الآن، ليست لَهُ!! -------------------------------------------

from:almadapaper.com


بمناسبة رحيل القاص جليل القيسي .. اتحاد الأدباء يستذكر إبداعه القصصي والمسرحي
محمد درويش علي
اقام نادي القصة، في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، اصبوحة استذكارية بمناسبة رحيل القاص والمسرحي الراحل جليل القيسي، الذي يعد واحداً من القصاصين المتميزين في جيل الستينيات، وظل متواصلاً مع ابداعه عبر القصص والمسرحيات التي كتبها، والتي ضمتها اربع مجاميع قصصية، هي صهيل المارة حول العالم، وزليخا البعد يقترب، وفي زورق واحد، ومملكة الانعكاسات الضوئية، والمسرحيات التي ضمها كتاب واحد، كان أبرزها جيفارا عاد .وشارك في الاصبوحة التي ادارها القاص جهاد مجيد، الناقد فاضل ثامر، والناقد علي حسن الفواز، وسلط كل واحد منهما الضوء على المنجز الإبداعي للراحل، وتخلف عن حضور الاصبوحة القاص محيي الدين زنكنه، والناقد قحطان الطويل، اللذان اعدا دراستين مهمتين عن أدب الراحل، وفي نهاية الاصبوحة ساهم الشاعر الفريد سمعان ود. خليل محمد إبراهيم، في النقاش حول ما قيل في الاصبوحة.بدأت الجلسة بكلمة القاص جهاد مجيد إذ قال:ان ادب الستينيات من القرن الماضي لم يكن مرحلة واحدة متصلة ببعضها البعض لا من حيث تراتبها الزمني (فثمة تقطعات خلال بنى العقد نفسه) فضلاً عن امتداداتها في العقد الذي تلا ذلك العقد ولا من حيث توجهاتها أو اتجاهاتها.. ولكن ما تبلور منه -أي أدب الستينيات- وتبقى، فبلور ونقى سمات ثبتت نفسها نقدياً ورسخت في الوعي الفني العام هو ما يمثل الذروة في ذلك الأدب ويمثل مستواه الارقى الذي نضج عن مستويات متعددة تتباين في قيمتها الفنية والفكرية من الصفر حتى المائة.غب الأنقلاب الدموي في شباط عام 1963 وبانكسار القوى التقدمية وانحسار فكرها الملتزم وتراجع نماذجها وتواريها في غياهب السجون والمعتقلات أو المنافي والمخابئ، سادت خيبة الأمل واستشرت روح الهزيمة على مستويات الفكر والفن والحياة.. ونشأ جيل جديد كافر بقيم الالتزام وناقم على كل تجاربه ورافض لكل معطياته فتكبل بالعبث واللاجدوى والانهزام لاعلى صعيد المضامين بل وعلى صعيد الوسائل الفنية لذا نجد بواكير الادب الستيني نصوصاً مترعة بالهلوسات والتهويمات لا يربطها رابط ولاينتظمها سياق وغدت الكتابة لهواً وضرباً من الفذلكة والفبركة وشهوة من الشهوات تؤطرها المزاعم والاوهام مارستها فئة افرزتها لجج الهزائم السياسية والاجتماعية في مطلع الستينيات، نصوص تعلن انتماءها زعماً الى السريالية والفانتازيا واللامعقول ولم تكن الا تسطير جمل لا تقوى على ان ترتصف الى جوار بعضها البعض وتنبو عنها جمل لا تكاد تفصح عن معانيها ناهيك عن ركاكة مبانيها..كان جليل القيسي قريباً من هذه الثلة من الكتاب ان لم يكن بين ظهرانيهم، لكنه نجا من كل شوائبهم وشوائنهم لينسج نصاً قصصياً محتقناً بالرفض والغضب عبر صفاء من السريلة والفانتازيا ورؤيا لا تعوزها السخرية.. لكنه لم يفتقر الى العناصر الرئيسة للمتن القصصي التي جافاها مجايلوه اولئك. ابتدأ مع اوائل الموجة الستينية الا انه دخل مرحلتها الثانية، مرحلة نضجها وصحوتها بفعل ظروف تاريخية لسنا بصددها الان، دخلها بعدة رصينة ورصيد وفير وقدرة وخبرة كافيتين للمطاولة والبقاء في صف متقدم.. وبما تمسك به من ترسبات خلاقة في نصه من بواكير الستينيات اغنى به القصة العراقية وشكل منه ضرباً خاصاً به ونمطاً مميزاً ذا نكهة وطعم ولون فارق فيه كتابات مجايلية في مرحلة الستينيات الثانية مع منازعته اياهم في سماتهم التي نضجوها وميزوا بها العطاء القصصي وتحديداً غب حرب عام 1967 وانعكاساتها العميقة محلياً واقليمياً.واضح ان جليل القيسي نهل من التراث القصصي العالمي أكثر مما نهل من التراث العربي، وتوغل في مسارات التراث الأول وتجاربه الحديثة المهمة فكسب منها المتانة، وواضح ايضاً انه لم يمد جذراً نحو تراث قومه لذا كانت لغته لغة الأدب المترجم، لغة تفتقر احياناً الى الفصاحة واحياناً الى سلامة التركيب لكنها لغة قصصية مقتصدة موفية تؤدي غرضها في تجسيد بلاغة المشهد ومن ثم الفكرة فالرؤيا.. لغة تخلصت من الاطناب والاسهاب كنصه..هذه اطلالة سريعة على تجربة فريدة في ادبنا القصصي المعاصر لمبدع ابتدأ مشوارها في سماع صهيل المارة حول العالم وواصلها في زورق واحد وظل ينتظر مع زليخا البعد الذي يقترب.. فهل اقترب البعد يا أيها الجليل؟!بعد ذلك ارتجل الناقد فاضل ثامر كلمة تناول فيها بالتفصيل، ابداع القاص جليل القيسي، والمناخ الذي عاش فيه، قائلاً: يعد القاص جليل القيسي واحداً من رواد الحركة الابداعية في الستينيات، ومن الجانب الآخر فهو انسان معجون من طينة خاصة، معروف عنه الرقة الهائلة وحب الناس، والانسانية واحترام الآخرين. وفي بعض الأحيان عندما يلتقيك وتود ان تحييه تشعر بالخجل، لفرط محبته وحبه للآخرين، انه يذكرني ببعض التقاليد اليابانية في الاحترام. وبخصوص ابداعه قال: جليل القيسي من الاسماء التي حفرت مجرى جديداً في الكتابة القصصية، اعقبت التجربة القصصية الخمسينية، دشنتها تجارب عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي والى حد ما مهدي عيسى الصقر، وغائب طعمة فرمان، ونزار عباس، ومحمد روزنامجي، ممن دشنوا الكتابة القصصية الخمسينية. وارى ان قامة جليل القيسي الإبداعية، ترتفع الى قامة قاص ستيني آخر ايضاً سلك طريقاً خاصاً هو محمد خضير على الرغم من ان القاصين لم يدخلا دخولاً مباشراً في التجربة الستينية، لأن التجربة الستينية كما اشار الى ذلك زميلي جهاد مجيد انهمكت في اشكالٍ من التجريب، احياناً المصطنع أو الملفق.وتجربة القيسي كانت تحتوي على الكثير من التجريب، لكن التجريب الذي اعتمده، كان تجريباً واعياً مبنياً على أسس ومبادئ السرد القصصي الحقيقي. وعندما شرعت انا وزميلي الناقد ياسين النصير، باعداد مختارات قصصية من الادب الستيني تحت عنوان "قصص عراقية معاصرة" كان قد اصدر مجموعته القصصية الاولى "صهيل المارة حول العالم" فانتقينا له قصته القصيرة (ديوس ايكس مشينا) وهي قصة تجريبية حقيقية فيها الكثير من العالم الكابوسي خاصة عند كافكا وجويس وكتابات الوجوديين وعنوان القصة يعني: الاله المنقذ الذي يتدخل داخل الكتابة النصية أو القصصية أو داخل الحياة لإنقاذ البطل من خطر كبير.واضاف الناقد فاضل ثامر: القصة في الستينيات اعتمدت ولأول مرّة على انماط المونولوغ الداخلي، وكان ذلك واضحاً لدى الراحل جليل القيسي الذي ابتعد عن التقريرية المباشرة، وارتقى بمستوى التعبير اللغوي والصوري داخل القصة بطريقة ناضجة، كما استخدم الرمز كثيراً وارتقى بمستوى التعبير الى الفضاءات الصوفية، من خلال الحالات التي كانت تصلها شخوصه القصصية.واختتم حديثه بالقول: يمثل الزميل الراحل واحدة من ذروات الهرم الشامخ الذي نسميه القصة العراقية، عزاؤنا انه يعيش بيننا بكتاباته وفي المثال الذي قدمه لنا، في تواضعه، في بساطته، في حياته، في علاقاته مع الآخرين وأهم شيء في إخلاصه اللامتناهي بإبداعه.بعد الناقد فاضل ثامر، القى الناقد علي حسن الفواز كلمة جاء فيها: كان القاص الراحل جليل القيسي، بحلم ان يكون بطلاً من أبطال السينما وكان متأثراً جداً بالممثل كلارك غيبل، وتحت إغواء هذا التأثير ذهب في بداية الستينيات الى هوليوود ليكون ممثلاً في السينما الأمريكية على غرار هذا الممثل الذي تأثر به.وحول التكوين الثقافي لجليل القيسي، قال الزميل الفواز: شكلت كركوك عالماً خالصاً لدى جليل القيسي، من خلال انفتاحه على مجموعة لغات، هي الانكليزية والعربية والكردية والتركمانية وجعله هذا الانفتاح يرحل مبكراً صوب عوالم الابداع فقرأ الكتب والمجلات والانكليزية التي زودته بثقافة أصيلة ومن منابعها الحقيقية.ثم تحدث عن جوانب كثيرة من حياة وابداع الراحل، وتأثيره في القصة العراقية الحديثة.أما الشاعر الفريد سمعان فتحدث هو الآخر عن ابداع الكاتب الراحل، وأهميته في دائرة الإبداع العراقي المعاصر، وعن تأثره بالسينما ورموزها الكبار. موضحاً ان موته خسارة كبيرة للثقافة العراقية. اما الدكتور خليل محمد ابراهيم فقد اكد هو الآخر، على أهمية القاص الراحل ودوره في كتابة قصة قصيرة، تمتلك مؤهلات فنية عالية، مما جعل منه ان يكون قاصاً متميزاً بين مجايليه !بعد انتهاء الاصبوحة، التقينا بالناقدين المسرحيين عباس لطيف، وعدنان منشد وحدثانا عن المسرحيات التي كتبها جليل القيسي إذ قال الناقد عباس لطيف ان مسرح جليل القيسي، مسرح استثنائي وذو خصوصية لم تتوفر الفرادة التي تميز بها لكاتب مسرحي آخر، فهو يكتب نمطاً من المسرحيات لا يشبه غيره، في اجوائها افاد كثيراً من عوالم السرد، والسمة التي لم ينتبه اليها النقاد، ان شخصيات جليل القيسي شخصيات قصصية حاول توظيفها أو نقلها من متون السرد الى الحاضنة الدرامية، وباعتقادي ان جليل تأثر تأثراً كبيراً بالأدب الروسي عموماً وبالذات مسرح جيكوف وأستطيع القول انه كان جايكوفياً سواء على مستوى بناء الحدث أو عزلة الشخصيات أو وجود الفعل الدرامي السايكولوجي، أي هنالك صراع داخلي بين الشخصيات وبين الشخصية نفسها، واغلب شخوصه يعاني من احباط واجترار ذكريات ومن حلم يراودها وهذه خصائص بطل جيكوف. في البدء استهوى المخرجين العراقيين للغة الشاعرية التي يكتب بها، لكن المخرجين صدموا بأدبية النص الدرامي ، ومن المعروف في المسرح ان هنالك نصاً أدبياً للعرض، لذا نرى التغييرات التي طرأت على مسرحياته حينما نقلت الى مفهوم العرض المسرحي.اما الناقد المسرحي عدنان منشد فقال عن مسرح جليل القيسي:في مرحلة مبكرة من العقد السبعيني المنصرم، قرأت قصص الراحل جليل القيسي والبعض من مسرحياته في مجلتي (السينما والمسرح) و(الاقلام) وقد ترسخت في ذهني من هذه المسرحيات، مسرحيتان أثيرتان، قام باخراجهما في ما بعد على منصة (مسرح بغداد) الأستاذ سامي عبد الحميد تحت عنوان (جيفارا عاد.. افتحوا الأبواب!) والفنان المغترب خليل الحركاني تحت عنوان (زفير الصحراء).واتذكر ان بعد العرض الأول للمسرحيتين المذكورتين وفد الراحل جليل القيسي الى بغداد بصحبة زوجته الأرمنية الطيبة الشقراء، فألتقيت بهما في أمسية جميلة بحدائق اتحاد الأدباء. وكان الراحل المبدع في تلك الأمسية متألقاً مزهواً بثمار جهوده المسرحية بعد أن تكلل نجاحها على (مسرح بغداد) الأثير.منذ تلك الجلسة الوحيدة النادرة، لم يحصل لي شرف الالتقاء ثانية براحلنا المبدع الكبير، على الرغم من متابعاتي لما ينشر في القصة والمسرحية طيلة العقود الثلاثة الماضية.واشهد ان قصصه المستمرة، كانت مغايرة للمشهد القصصي العراقي المألوف انها قصص مكتوبة بقلم أرستقراطي أليف يذكرك بعوالم ديستويفسكي وجويس وكافكا ومترلينك وأبسن، لكن مسرحياته اللاحقة -للأسف الشديد- ظلت خاضعة لمخياله السردي، ولم تضع شروط المنصة المسرحية خياراً لأي مخرج مسرحي يقدم على الانهماك فيها. ولو قدر للقيسي الراحل ان يكون قريباً منا في بغداد، لكان بالامكان معالجة نصوصه المسرحية داخل فرقنا وورشنا المسرحية.ولكن القيسي ظل في صومعته الكركوكلية البعيدة عن مركز بغداد، كأنه مستوطن في جمهورية (أرنجا) الآشورية القديمة.. وتلك هي المعضلة ونرجو ان نكون قد اقتربنا في طرحها من مشارف الصراحة، التي ينبغي ان تحكم حواراتنا، بعد ان فارقنا مبدع عراقي كبير.

--------------------------------------------------------------

from: Babagurgur.net

------------------------------------------------------------
الصورة الأخيرة للراحل......... جليل القيسي
(( ناصر حسن))
عرف(( جليل القيسي )) على الساحة العراقية وفى البلدان المهتمه بالادب والفن والثقافة مثل مصر ولبنان والكويت والمغرب وفى نهاية الستينيات من القرن الماضى ولما صدرت مجموعة القيسي الأولي ( صهيل الماره حول العالم ) عام 1967 اهتمت الصحافة اللبنانية كثيرا بهذه المجموعة التى طبعت فى دار الحوار ببيروت وكذلك مجموعة مسرحيات فى كتاب ( جيفارا عاد ) عام 1971 و 6 مسرحيات بعنوان ( وداعاً ايها الشعراء ) عام 1979 واعمال اخرى لم تصل الى خارج الوطن فى حينها .
اهتم الوسط الفني والثقافي باعمال ( جليل القيسي ) هذه داخل وخارج العراق وبشكل ادق كانت النخبه هي جمهور القيسي ولم يهتم القيسي يوما بالشهره والبريق الاعلامي وكان يعيش حالة الكاتب المنعزل فى طقس روحي .
تقول الاديبه ( فاطمة المحسن ) فى شخصية القيسي الثقافية :-
قصص القيسي تزدحم بمقولات الكتب وتحفل بعروض التثاقف ولكنه هو المترفع عن الادعاء . يبدو وكانه يقاضي الحياة بالكتب ويقطف الثمار الجاهزه فى حدائق الادب العالمي التى تسكن رأسه .
يبدو من هذا الراى فى ( القيسي) انه كان موسوعة ادبيه شاملة فى عالم القصة والتراث والثقافة وانه كان ناهما ينهل من بحار الثقافة مايريد ان يطرحه باحساس فني وتقني كبير.
لم يكن( القيسي) قد اعلن انتمائه الى اليسار ولكن لنعرج على كتاباته كا ملة ولنراجع علاقاتنا معه وكنا معظمنا من الفكر اليسار ى العراقى او من اتجاهات قوميه ووطنية بعيده عن الشوفينيه و طرو حاته ومواقفه من قضايا الشعب العراقى الانسانيه كانت قريبه جدا من افكار قوى اليسار والديمقراطيه والتقدميه هذا بالاضافة الى كتاباته ووضوح الجانب الجمالى والسحري فيها و نتذكر اهتمامه وتقربه من الاصدقاء والشبيبه والمثقفين ورفدهم بنتاجه الأدبي والفنى وكان يهتم جداً بالباحثين والمتميزين من الشباب ليدفعهم الى الامام.
ولا ننسى حضوره الدائم والمستمر لمهرجانات المسرح العراقي والمهرجانات الاقليمية والعربية التى كان لا يفارقها وليس ككاتب للمسرح فقط وانما ناقداً ومحللاً وليس فقط فى الجلسات النقديه ولكن خلف الكواليس فى جلسات السمر الثقافية والفنية على هامش المهرجانات حيث كان له دور كبير فى بلورة افكارنا وكان لسماعه الجاد رد فعل كبير لدي جالسيه من الرواد والشباب. هكذا كنا نفهم اليساري هو المثقف والواعي والرائد والواعد والمساعد والكريم الذى لا يبخل بكتاب او منشور او معلومة كنا الشباب انذاك نحتاج الى هكذا شخوص ثقافية وادبيه مثل ( جليل القيسي ) وليس مثقفى الصالونات الراقيه خلف جدران القصور ممن لانراهم الا فى احتفالات( الدوله الرسميه )ولم نكن من المدعوين بالتاكيد وانما نراهم من خلال التلفزيون. .
فى اخر المقابلات التى اجراها ( جليل القيسي ) يقول فيها ( الفن مثل رؤيا روحية للحياة ) فى قصتي :- (بلازما الخيال ) كنت ارى دستوفيسكي بام عيني و رامبو فى: ( كبير ملائكة الشعر) كان التصور و الخيال والتامل ملازماً لكاتبنا الكبير
( القيسي ) .
فى صيف عام 2006 وقبل وفاته كنت قد التقيته في نادي ( اتحاد الادباء الكورد فى اربيل ) وكان عائداً لتوه من تركيا بعد ان ارسل على نفقة حكومة اقليم كردستان للعلاج وعرفت منه انه سيرجع مرة اخرى ولم ارد ان ازيد الامه واساله عن حيثيات العلاج والسفر ولم ارد ان احدثه عن وحدته وانعزاله كل هذه السنيين العجاف فى كركوك تلك السنيين التى عانى منها استاذنا القيسى كثيرا. وفرحت جداً لانه كان يجالس الادباء فى النادي فى تلك الليلة الصيفية الاربيليه وفى المكان سعدالله بروش وده شتى وزامدار وزملاء اخرون من ادباء كوردستان ولم يمر سوى اسبوع واحد وقبل وفاته بيومين فقط زرته للمرة الاخيره فى داره بمدينة كركوك لن انسى تلك الحسرة فى عينيه متألماً قليل الكلام ينظر فى وجوهنا نظرة الوداع واعتقد عندما رانى تذكر الاخرين والمهرجانات والجلسات الرائعه فى بغداد والسليمانيه واربيل وبعد فترة صمت طويله نطق( القيسى) والدموع تنهمر على خديه اليابستين لتسقي كل ذالك الجفاف لسنوات العزلة وكانه يسقى بدموعه ( نهر الخاصه ) وقال ( اين 00 اين هم ياناصر ... ) وصمت لحظه واردت ان اجيبه رد القيسي على سؤاله : لا اريد شيئاً منكم ناصر سوى ان ارجع لوضعي الصحي لان لدي الكثير اريد ان ادونه .....اريد ان اكتبه واطبعه كانت .. هذه اخر الكلمات التى سمعتها من الراحل (( جليل القيسى)) وبعد لحظات صمت وهدوء ..............
قمت بتصويره بعد ان سمح لى واعتقد انها الصوره الاخيره للراحل الاديب والفنان الكركوكى الكبير القاص
( جليل القيسي ) .

· ولد جليل القيسي عام 1937 فى كركوك من اب عربي و ام كوردية .
· صدرت له ثمانية كتب من قصص ونصوص مسرحية ومنها ( زليخا ) و (مملكة الانعكاسات الضوئية ) ولديه قصص لم تنشر مودعة لدى الاخ نوزاد احمد اسود نتمنى ان ترى النور ولا ننساها.
· من مؤسسي جماعة كركوك الستيني مع فاضل العزاوي وسركون بولص وجان دمو ويوسف الحيدرى وانور الغساني ومؤيد الراوى .
· عاشى بعيدا ومنعزلاً فى مدينة كركوك فى السنوات العجاف الاخيره حتى توفي ظهيرة يوم الخميس 27/7/2006 فى منزله بكركوك .
· كنت والسيد نجاة حسن وكاويس ملا برويز وزملاء اخرون زرنا القيسى قبل وفاته بيومين .
---------------------------------------------------------------

From: alittihad.com

---------------------------------------------------------------
ثقافة وفن: مدينة جليل القيسي.. كشف واغلاق المعنى


مهدي مجيد عبد الله

اتاحت لي قراءة اطروحة رسالة الماجستير للكاتب و الناقد الكردي نوزاد احمد اسود فرصة الاطلاع عن كثب على الحالة الاجتماعية والنفسية للمجموعة الكاملة لقصص جليل القيسي حيث تاتي هذه الاطروحته المعنونة (المدينة في قصص جليل القيسي قراءة سايكو-سوسيولوجية) في اطار الدراسات القليلة التي تتناول اعمال الادباء العراقيين مركزة على الجوانب الانسانية لذات القاص و نفسية المجتمع الذي تعرض القاص له في اعماله .
وكما هو معلوم في الادب بان كل قصة و رواية توجد لديها مرتكزات تقوم عليها حيث تعد لها بنيانا واعمدة ترتكز عليها كما يقوم البنيان على اعمدة ينهار بتلاشيها وتاتي البيئة المكانية و الزمانية في اولويات تلكم المرتكزات ، و حيث ان نوزاد احمد اسود راعى الاسلوب العلمي المبني على الاتيان بالجديد المفيد في بحثه نراه قد ركز على جانب لم يتناوله الناقدون لاعمال القيسي ، فاختار البيئة المكانية (المدينة )التي تطفو بوضوح في اعمال القيسي و هذا ما يوضحه نوزاد في مقدمة رسالته ( لقد اهتم القاص الراحل جليل القيسي بالمكان في قصصه، وبالمدينة بصورة خاصة، اهتماما كبيرا، اذ استخدم المدينة عنصرا مهما في جل قصصه، واتخذ من أشكال المدينة محورا رئيسا في الاحداث التي تدور عليها، حتى يمكننا القول انه كاتب مديني بامتياز).
ويكمن اهمية البحث في كونه يأخذ الاشياء المادية و يسعى لتفسيرها و توضيحها و تقريبها الى الاذهان بصورة نفسية واجتماعية(معنوية ) .
ولا اخفي القارئ الكريم انه عند وقوع نظري على عنوان البحث تبادر الى ذهني سؤال عن ماهية الدوافع وراء تناول نوزاد احمد لمادية قصص جليل(المدينة تحديدا كركوك ) بصورة سايكو سيسيولوجية ؟ و عند ولوجي في قراءة الرسالة حظيت بالاجابة حيث بينها نوزاد في السطور الاتية:-
عُني البحث بالمدينة، محورا رئيسا في دراسة قصص الراحل جليل القيسي وتحليلها، حيث احتلت المدينة مكانة مميزة في حياته الشخصية وفي نتاجاته، القصصية على وجه التحديد، فهو ولد وعاش وتوفي في مدينة كركوك دون ان يغادرها يوما، الامر الذي ادى الى تأثير هذه المدينة في سايكولوجية القاص، تأثيرا عميقا، بل إحتلت جُلّ حياته وذهنه وجسده، وانعكس هذا التاثير في معظم قصصه. لقد كان اهتمامه بالمكان عنصرا مهما من العناصر القصصية، اهتماما بالغا، ولمسنا هذا الاحساس بالمكان في تقنية عدد كبير من قصصه، اما اهتمامه بالمدينة-بأشكالها المختلفة-، فجاء على نحو اكثر بروزا وتألقا فيها، فطرحت بوصفها عنصرا فاعلا في سايكولوجية الشخصيات المحورية في قصصه وتأثيرها الاجتماعي.
و بما ان للانسان بعدين: بعدا ذاتيا وبعدا موضوعيا، او بعدا نفسيا وبعدا اجتماعيا، وبما ان علاقة الانسان بالمدينة علاقة نفسية واجتماعية في ان معا، وجدنا من الضروري استخدام المنهجين النفسي والاجتماعي لقراءة المدينة في قصص القيسي. ان قراءة النصوص الادبية من منظور سايكولوجي، تفتح لنا ابوابا واسعة لرؤية الخفي ولقراءة ما لم ينطق به النص في الظاهر، ضمن العلاقة الموجودة بين الاسلوب السايكولوجي والسلوك الانساني. فثمة علاقة مباشرة في العملية الابداعية بين الدوافع الداخلية والخارجية، لكن المبدعين يتأثرون كثيرا بالدوافع الداخلية، وهي دوافع لا تكفي بحد ذاتها في عملية الخلق. ذلك لانهم لا يكتبون تحت تأثيرات ذاتية حسب، بل استجابة لما يدور حولهم ايضا. من هذا المنظور تناولنا، في هذا البحث، المكان/المدينة من زاوية المنهجين النفسي والاجتماعي، لان المعاني التي يسبغها الانسان على المكان/المدينة ليست اجتماعية بحتا، بل تتغير بتغير التحولات النفسية التي تطرأ على الشخصية المحورية في القصة).
تميز نوزاد احمد اسود في بحثه الموسوم انفا باسلوب علمي مبسط و لغة قوية و رصينة و سلسه يستطيع التقاطها القارئ العادي قبل الاديب البليع و لكلا منها نصيب في تذوقه و استنتاجه.
ورؤيته النقدية الادبية لاعمال جليل القصصية لم تكن دوافعها الحصول على شهادة جامعية فقط او سعيا للحصول على وظيفة جامعية او شهرة اجتماعية زائفة كما نراه اليوم في صفوف معظم طلاب الشهادات العليا في جامعات العراق بل اتت من وراء الاحساس بالمسؤلية للحفاظ على الاثار الادبية الرائعة لاشخاص مبدعين لم يسمح القدر على ان ينالوا حظهم من التنقيب و سبر اغوار اعمالهم في حياتهم .
كذا تتسم رؤية صاحب الاطروحة بقدر غير قليل من النضج الفكري و الثقافي و المعرفي و الابتعاد عن العشوائية والتخبط والنقد من اجل النقد فقط ، ساهم نوزاد في سطور بحثه بفتح ابواب جديدة لتناول اعمال المبدعين و الادباء من جانب يعتبر جديدا في الدراسات الاكاديمية و البحوث العلمية في كردستان و العراق و حيث تميزت و لا تزا ل معظم (الدراسات و البحوث النقدية الادبية) بتناولها الناحية اللغوية واللفظية التي تدفع على الملل وتتسم بعدم اضفاء اي جديد سوء الاتيان بالالفاظ الرنانة و المزركشة الفارغة من المعاني و الافكار و يجب على قارئها ان يتابط قاموسا على الدوام لفهم و فك رموز معاني المصطلحات(ان وجدت ) التي لا يعيها حتى كاتبهاعلى اغلب الظن .
بعد الذي ذكرناه نستطيع القول بان بحث (المدينة في قصص جليل القيسي قراءة سايكو سوسيولوجية ) استطاع ان يحتل مكانا له على رف المكتبة الادبية العراقية و قد ملأ بلا شك فراغا من الكم الهائل لنقص البحوث الجادة في طريق رقي وازدهار الادب العراقي .

-------------------------------------------------------------

kirkuk from sky

kirkuk from sky
photo made by the American ...

from: Ahewar.org

--------------------------------------------------------------

رحيل القاص والكاتب المسرحي جليل القيسي . . . أحد أعمدة - جماعة كركوك - الأدبية

عدنان حسين أحمد الحوار المتمدن - العدد: 1634 - 2006 / 8 / 5
فقدت الثقافة العراقية واحداً من أبرز القصاصين والكتّاب المسرحيين العراقيين وأحد أعمدة جماعة كركوك الأدبية القاص جليل القيسي الذي وافته المنية في احدى المستشفيات التركية في أنقرة إثر اجراء عملية جراحية فاقمت من تدهور أوضاعه الصحية. وقد فارقنا الراحل القيسي عن عمر يناهز التاسعة والستين عاماً.ولد جليل القيسي في محافظة كركوك عام 1937 من أب عربي وأم كردية. وللمناسبة فإن زوجته أرمنية، وبذلك يكون القيسي قد جمع ثلاثة أطياف من الفسيفساء العراقية في عائلة واحدة. بدأ حياته الأدبية بكتابة القصة القصيرة والمسرحية، وظل طوال حياته مخلصاً لهذين الجنسين الأدبيين. يعد جليل القيسي أبرز القامات الأدبية في " جماعة كركوك " التي ضمت كل من فاضل العزاوي، وسركون بولص، ومؤيد الرواي، وصلاح فائق، ويوسف الحيدري، والأب يوسف سعيد وآخرين. أصدر جليل القيسي أربع مجاميع قصصية وهي " صهيل المارة حول العالم" 1968، و " زليخة البعد يقترب " 1974، و " في قارب واحد " 1988، و " مملكة الانعكاسات الضوئية " 1996. وفي المسرح صدرت له ثلاث مجموعات مسرحية وهي " جيفارا عاد افتحوا الابواب " 1971 وقد تضمنت هذه المجموعة ست مسرحيات وهي على التوالي:" أيها المشاهد جِد عنوانا لهذه المسرحية، في انتظار عودة الأبناء الذين لن يعودوا إلى الوطن ثانية، غدا يجب أنْ أرحل، زفير الصحراء، هي حرب طروادة أخرى، شفاه حزينة "، و " وداعا أيها الشعراء" 1979 و التي تضمنت ست مسرحيات أيضاً وهي: "خريف مبكر، فراشات ملونة، وداعاً أيها الشعراء مرحبا أيتها الطمأنينة، إنَّه خادم مطيع، ربيع متأخر، وجاءت زهرة الربيع". و" ومضات خلال موشور الذاكرة " والتي اشتملت على أربع مسرحيات فقط وهي " الليلة الأخيرة للوركا في بنيرنار، مدينة مدججة بالسكاكين، انهزامية حزينة، وومضات من خلال موشور الذاكرة." ومن أبرز الدراسات التي كتبت عن تجربة جليل القيسي القصصية هي الدراسة القيمة التي جاءت تحت عنوان( القصة القصيرة عند جليل القيسي - دراسة نفسية وفنية ) للباحث والناقد سنان عبدالعزيز عبدالرحيم ، وهي في الأصل بحث تقدّم به الباحث لنيل درجة الماجستير في النقد الأدبي. وفي الحوار المهم الذي أجراه نوزاد أحمد أسود مع القاص جليل القيسي والذي نشرته مجلة " ميسوبوتاميا " في عددها الخامس سلّط القيسي الضوء على مجمل أعضاء " جماعة كركوك " حيث قال " سنة 1959 التقيت بأخي و حبيبي فاضل العزاوي. كان كشاعر يبحث عن سماء من أروع الكلمات. إنه أحد الموهوبين النادرين من جماعة كركوك. ثم التقيت بمؤيد الراوي، وهو طراز غريب من العناد، والاصرار، واللامبالاة. أما جان دمو، الذي كتبت عنه مقالة في جريدة (بهرا) بعد وفاته، كان آخر من استطاع الشفاء من كآبته. كان لاشك موهوباً، لكن لاأبالياً، عبثياً، لا أدرياً، سكيراً أشراً، بوهيمياً لم يستطع الاستفادة من نعمة موهبته، ولا من غنى سهول روحه اللا متناهية. . . و دخل أنور الغساني الشلة. شاب هادئ، رصين، عملي و براغماتي حقيقي في دنيا العمل. وتعرفت على الراحل والطيب الذكر جداً يوسف الحيدري في نفس الفترة. . . كان الاب يوسف سعيد أباً رائعاً وعاشقاً لأسرته. وأخيراً جاء صلاح فائق بعد فترة قصيرة قبل أن نفترق . . كنا جميعاً باستثناء صلاح ويوسف نجيد اللغة الانكليزية، ونقرأ الروايات ونتابع الادب الحديث الذي أثر كثيراً في كتاباتنا، وبدأنا نكتب الشعر، والقصة، والمسرح بطريقة جديدة لفت انتباه الوسط الادبي في بغداد، وراحوا (يقولون عنا (هؤلاء يكتبون مثل الانكليز. . كتاباتهم غريبة، معقدة، وجديدة. .
--------------------------------------------------------------

kirkuk from sky

kirkuk from sky
this photo is for shore not seen by the people of kirkuk the city whom jalil al qaysi was in love with
From : Iraqalkalema


كاتب الموضوع:
رعد مطشر - 12-08-2006
جليل القيسي .. لا أريد كفنا من هذا العالم
*حاورَهُ ... رعـد مطشـر *
ولد في العام المسمّى ( 1937 ) حاملاً سرَّ الإنسان النقي ، الحسّاس ، المهذّب ، مارّاً في( مملكة الإنعكاسات الضوئية ) تجّاه عالـمٍ مصابٍ بالصرعِ والجنـون , ولـد مع ولادتـه ( صهيل المارّة حول العالم ) متجوّلاً في مدينةٍ تُدعى ( آربخا ) بشفاهٍ حزينة فرأى جميعَ آلهتها وفكَّ ألغازها سامعاً كلماتٍ غريبةً ؛ الخيرَ ، الشرَّ ، العدالةَ ، الظلمَ ، الوجودَ ، الفاعلَ ، العبثَ ، الاستلابَ ، الانسحاقَ ، الفقرَ الفقرَ الفقـرَ .. فكبر في ( آرنجا ) بسرعةِ الضوء أرادَ الرحيلَ إلى العالم الجديد أمريكا 1958 فعانى في شجرة هذا العالم الجديد : التشرّد والبطالة والخيبة والإحباط ... ذاتَ مرَّة رمتْ عليه المصادفة في اللاّمكان كتاباً لرجلٍ يُسمّى ديستويفسكي , فانفتحَ الباب على وسعه ودخلت كل الينابيع إلى فكرهِ المتوقّد ، المليء بالأمل والطموح حاملةً معها كل حضارات العصور . كان لغزاً ولَمْ يزل ، بسيطاً مثل بديهية يفهمها الطفل في الرابعة من عمره متواضعاً ؛ يثوي بين جنحي طائرٍ خُرافي في مدينة يثرثُر فيها الجميعُ عن آلهةٍ مِنْ ريشٍ تَمرُّ في لحظةِ القلق والخوف ، تحمل موسوعة التأريخ والأدب والفكر والفلسفة إلى جسده المتهادي بضعفه وقوتهِ , بعزلتِه وإحتكاكه مع الآخرين .. فتعالوا معي أنّي أسمعه ينادي ( وداعاً أيّها الشعراء ) ستمرّون في خيالي حُلُماً يُضيءُ كـ ( ومضاتٍ من خلال موشور الذاكرة ).. فتعالوا في زورق واحدٍ إلى ( آرنجا ) فها هو .. "البعدُ يقترب" بزليخا الحزينة ، ولننادي جليل( .. عاد إفتحوا الأبواب ) إنّه سيكسر العزلة ويسمو كجناحٍ في يدي عرّاف .. فاسمعوه إنّه يجيب عن الألم بالألم وعن المشاكسة بالتحليق إلى مملكة الصمت الأخيرة .
تفسير العزلة
* رعد : العزلة ؛ هل هي حالة نفسية أم فلسفية يلجأ إليها جليل القيسي في ساعة التعب .. أم أنّها عزلة الشهرة ( كما يفسّرها بعضهم ) أو أنّها ( كما أظن ) هي الحساسية العالية والخجل الشديد اللذان يسيطران على حياة جليل القيسي ؟
- جليل القيسي : أكثر من ثلاثين عاماً وأنا في شرنقة العزلة . لقد ضربتها حولي بطريقة درامية مشوبة بالساديّة أشكُّ أنْ تستطيع أيَّةُ قوة أنْ تحرّرني منها لأنّها أصبحت فردوسي .. وبحكم السنوات الطويلة سلّمتُ نفسي إلى قواها الأصيلة .. للعزلة قداسةٌ غريبةٌ إذا ما عرف الإنسان كيف يتمدّد على صليب معاناتها .. العزلةُ تهب شحناتٍ من القوة الديناميكية لشعورِ ولا شعور الإنسان .. في العزلة أتسلّمُ نداءاتٍ دافئةٍ من العالم ، ومن أقطاب جسدي ويتأجّجُ ضربٌ نادرٌ من نارٍ لذيذةٍ في الجوانب الأكثر إستيحاشاً في داخلي .. يحترقُ داخلي مثل طائر (السمندر) لكنّني أشعر بالسعادة .. إنَّ إنساناً مثلي يا رعد ، طيب إلى درجة الضعف بحاجة مجنونة إلى عوالمَ مسحورة ، والى أخيلة مجنّحة لا يستطيع العيش بهدوء مع الآخرين .. من هنا ، إنَّ عزلتي هي نفسية ، وفلسفية ألجأ إليها لأنّني فيها أزدهر .. أما الشهرة كما يفسّرها بعضهم فتبدو لي مضحكة . ما الشهرة .. قال ديستويفسكي قد تكون ذبابة أو عنكبوتاً .. أنا مع نيتشه الذي يقول (( لست أكثر من صانع ألفاظ ما قيمة الألفاظ ؟ ثم ما قيمتي أنا كصانع ألفاظ ؟ )) في العزلة أحسُّ بنفسي بصفائي .. رُبَّما هذا قدري .. الشهرةُ كلمةٌ مضحكةٌ.
من الصهيل إلى الانعكاسات
* رعد : في صهيل المارة حول العالم "كانت هناك أيد وهمية تتصرف بحقدٍ أبكم تسحبك إلى الاستلاب والإزاحة عن المدينة ثُمَّ التلاشي ، وفي مملكة الانعكاسات الضوئية" المجموعة الأخيرة ؛ أضحتْ تلك الأيادي أكثر حميمة ووداعة ترفعك إلى فراديس الآلهة ، فهل جمعت تلك الأيدي شهوتها القديمة لتغدو أيادٍ للآلهة الحاضرة ؟ ! .
- جليل القيسي : عندما كتبت صهيل المارة حول العالم ، وهي ، بلا شكّ أقرب مجاميعي إلى نفسي وقلبي ، وكنت في ذروة شبابي مليئاً بأحلامٍ حارّة ، وأخيلة مجنّحة ، ورغبة مهووسة في أنْ أخلق حقائق كبيرة وعميقة . وكنت – مثل أيّ شاب وسط ظروف صعبة جداً – مليئاً بغضب يؤجّج روحي وفكري .. ومثلما اليائس يرى كل شيء سهلاً ، لذا اندفعت أكتب قصص صهيل المارة بلغة غضب هستيري ، بلغة بلدوزرات ، ومزنجرات ، بلغة فيها كلّ حواسي البركانية وأنا في صراع مع تلك الأيدي الوهمية التي تحاول أنْ تسحبني إلى الاستلاب الوحشي، والتلاشي ، والهروب من المدينة ومثل كلّ شاب حالم ولكن متمكن من أدواته ، ورغم تواضع موهبتي كنت أشعر أنّني مساق بقوةٍ رهيبة لأهزّ القصة العراقية والعربية وانتشلها من رتابتها وكسلها ، وأحداثها الميلودرامية الحزينة .. أجل كانت قصص صهيل المارة في تلك الأيام مستودعي الروحي .. أمّا مجموعتي الأخيرة .. مملكة الانعكاسات الضوئية" – عالمٌ آخر.. إسمع يا عزيزي رعد : يقول الناقد الإنكليزي الكبير كولريدج (( عندما طلع عليه الصبح ، زادت حكمته ، ولكن كبر حزنه )).. في هذه المجموعة ، ومع آلهة أجدادي السومريين والبابليين والآشوريين ، تعاملت مع تراث غني من الأفكار ، والعواطف ، والحكمة، ومن عالم من الأرواح أجهل طبيعتها ، وغاياتها تارة ، وأفهمها تارةً أخرى ، وأعمل جهدي على إسترضائها وإجتلابها إلي بمزيج من المنطق ، والبصيرة النافذة ، والصبر ، والإطاعة .. في هذه القصص التراثية الاحتفالية فتحت لأول مرّة نافذة واسعة على القصة ، وعلى تراث ، يا إلهي ، عظيم جداً جداً .. ثـقْ جداً .. من هنا أنَّ آلهة أجدادي العظام برفق وحنان شديدين مدّوا أيديهم إلى قارورات عطورهم المباركة وعمّدوني كمـواطنٍ طيّب بكثير من الحنان والحبّ ، وفتحوا لي أبواب قصورهم وزقّوراتهم ، ومعابدهم ؛ تماماً عكس تلك الأيدي في صهيل المارة التي أصرّت أنْ تعمّدني بأسيد الاستلاب الحارق.
* رعد : بعد صهيل المارة حول العالم " تنبّأت بعودة غيفارا " لكنه لم يعد حتى لحظة حوارنا هذا..
- جليل القيسي : يا عزيزي الشاعر رعد ، كيف تسألني هكذا سؤال ؟! حسنا سأجيبك بإختصار شديد .. إسمع ؛ هناك إندحار أعظم بكثير جداً من الإنتصار كما أنَّ هناك انتصارٌ كلّه إندحار .. يقول دانيال أوكنل (( دعوني أكتب أغاني الأمة ، ولست أبالي بعد ذلك من يسنّ شرائعها )) ... أرنستوتشي غيفارا كتب أغاني أمّته وإستشهد ، لذا تراه كلّ يوم يتبرعم فوق شفاه الملايين .. لاحظ إنّه يعود ، كلّ يوم مع إطلاله الفجر الوردي.
في عملية الإبداع
* رعد : هل تعتبر شخصيات جليل القيسي إسقاطات لما يعتمل في داخل الكاتب نفسه تتشظّى على الورق فتعاني الحزن والإحباط والعوز المادي داخل العمل ككلَّ ؟
- جليل القيسي : الكتابة عملية معقدة جداً ، وذات الكاتب حتماً تتشظّى هنا وهناك ، أحياناً مع هذه الشخصية أو تلك ثمة شخصيات لها اشراقة الماس تأتي لترفع جوانب الغسق من مشاعري ، وعواطفي وأفكاري لتضعني في الشمس ، وهناك شخصيات ترشّني بلهيبٍ من شعلتها المقدسة .. لقد تألمت إلى درجة النزف لجنون نجنسكي ، ومن وحي وعذابات وجنون هذا المبدع كتبت مسرحيتي "نجنسكي ساعة زواجه بالرب" ومن اللهيب البركاني لمعاناة وإبداع "فنسنت فان كوخ" كتبت مسرحية "الليلة الأخيرة للوركا" ومن الموت البطولي النادر لانستوغيفارا كتبت "غيفارا عاد إفتحوا الأبواب".
* رعد : هل هناك تخطيط مسبّق وفق قياسات مرسومة في ذهن جليل القيسي قبل البدء برسم تلك الشخصيات ؟
- جليل القيسي : أبداً .. أبداً .. لا أعرف متى وكيف ، وأين تأتي الأفكار ، والمواضيع لكنها تأتي بخطوات حبيبة ، أو كما يقول الشاعر هولدرلين ((هكذا تهبط النجوم في وقارٍ وتتألّق الوديان سكرى لضوئها .. )) تأتي ويبدأ السكر الفكري والعاطفي..
*رعد : يا ترى هل سمعتَ أبطالك وهم ينتحبون خلف خشبة الباب ؟ وهل فتحت بابك لتراهم كيف يتناسلون على عتبة الدار كمجاعة ؟
- جليل القيسي : لو قرأت قصصاً لي مثل : "أنجليكو" ، "متعة غامضة" ، "المثيوبي" جروشنكا... لما سألتني هذا السؤال الجميل ها ها ها .. كيف لا أفتح الباب لأراهم ، وفي كلَّ قصة تتم بيني وبينهم ولساعات طويلة من المعاناة عملية تركيز في العقل ، والعواطف ، والمشاعر..
* رعد : هل تتمرّد عليك الشخوص فتراها ترفض كاتبها تعاكسه تغضبه ، تتصرّف بفوضوية ، ماذا تفعل حينها ؟ وأيُّ عمل عاكستك فيه الشخوص رافضة الإنصياع لك ولقلمك ؟!.
- جليل القيسي : الحياة تصنع الحقائق والأكاذيب أيضاً , هكذا الكاتب يصنع الإثنين ، وأبّان هذه الصنعة يواجه تمرّداتٍٍ وعقوقاً وغضباً من هذه الشخصية أو تلك أو من هذه الحقيقة أو تلك مثلاً تنمو شخصيةٌ ما في قصة أو مسرحية بطريقة عفوية للغاية من دون إقحام أيَّةَ عوامل خارجية سوية مع نمو الحدث ، والأجزاء المنفصلة كلّها خاضعة بدقة للكلَّ فإذا بشخصية تريد أنْ تنتحر أرفضُ .. تصرُّ .. وأخيراً تنتحر .. موت بطلة قصتي "غرفة الحبّ الصغيرة" ، مثلاً انتحار بطلة قصتي "أممٌ من الفرح" .. هناك أمثلة كثيرة .. إنَّها لعبةٌ جميلةٌ لكن صعبةٌ للغاية.
* رعد : إذن .. كيف يستطيع الكاتب أنْ يفكَّ لغزَ نفسه ، ولغزَ الآخرين ليوصلهما إلى القارئ ، أو المتلـّقي ؟.
- جليل القيسي : إسمع يا رعد .. سأدعُ ديستويفسكي الذي تعب طويلاً مع بطل روايته "المزدوج" الذي يشبهه تقريباً .. كتب ديستويفسكي إلى أخيه ميشيل رسالة بتاريخ 8/10/1845 يقول فيها :(( إنَّ بطل روايتي – جاكوف بيتروفيش غوليادكين هو ذو حظّ سيء , متحفظ تماماً ، لا يستطيع فعلياً تدبير أمره ، لا يتقدم خطوة واحدة لأنّه دوماً يؤكّد على عدم إستعداده ، إنَّه ليس شيئاً بعد لكن باستطاعته إنْ كان ضرورياً أنْ يكشف عن شخصيته الحقيقية إذن لماذا لا يفعل ؟ .. )).. تأمـّل كم برفقٍ وتعبٍ يفكّ الكاتب لغز بطله .. هكذا نعمل في لغز أنفسنا ، ولغز الآخرين .. عملٌ فيه الكثير من التأنّي والصبر .. اللغز صعب.
* رعد : هل داهمك هذا المزدوج ديستويفسكي في أزقَّة القلعة ليذكرك بأنَّ (( أي شيء يمكن أن يكون أكثر خيالية من الواقع )) ؟!.
- جليل القيسي : تسألني هذا السؤال وأنت حتماً تعرف جيداً ذاك اللقاء الحار والحميمي بيني وبين ديستويفسكي في قصتي "توهج بلازما الخيال" في مجموعتي الأخيرة" مملكة الانعكاسات الضوئية" ، وذلك الوداع الدرامي الحزين مع الكاتب العظيم فوق الجسر أسفل القلعة ، بعد حوار سقراطي بيني وبينه .. طبعاً أنا أردت أن أؤكد في تلك القصة حقيقة أنَّ أي شيء يمكن أن يكون أكثر خيالية من الواقع.
الحجر والحلم بالتحليق
* رعد : وهذا ما يؤكد قول الآخرين بأنَّ جليل القيسي يحلم دوماً بأنْ يصير حجراً في أساس القلعة ، إذن ، فمن ذا الذي يحلـّق بريش الكارثة غداً ؟.
- جليل القيسي : لقد ولدت على مسمع من القلعة .. ومنذ أنْ بدأت أعي ، درّبت أُذنيَّ على "الخوريات" الساحرة .. وأنا صغير كنت أغني تلك الأغنية الخالدة الذكر " ليتني كنتُ في أساس القلعة لأُصادقَ أولئك الذين لهم أخوات جميلات" أو أغنية ( في أسفل القلعة يزرعون الذرة ويتقاسمونها بإنصاف ..).. حتى الآن كلّ يوم أغنّي ( الخوريات ) ، وأحلم أنْ أكونَ حجراً في أساس القلعة ، ربـّما من شمس ذلك الحجر أو أساسه أُحلّقُ وأُحلّق.
* رعد : وأنت تحلّق بحثاً عن ذاتك بين ركام الورق الطائر ، هل بحثت عن أقاصي الدنيا والموت الراحل مع يوسف الحيدري ، سركون بولص ، فاضل العزاوي ، صلاح فائق ؟
- جليل القيسي : اثنان منهما أحببتهما كثيراً لأنهما كانا قريبين إلى فكري وروحي .. بعد سفرهما تركا لي الكآبة والحزن الدائمين يلفّانني بإستمرار .. سركون بولص كلما تذكّرته تذكرتُ معه قصيدة رفائيل ألبرتي الصغيرة :
(( فلتذبحني عينا / ذلك الأندلسي / وليضعوني إذا متُّ / في كفنٍ أزرق )).. ما زلت بمجرد أن أغمض عيني , أرى عيني ذاك الكركوكلي يرسلان إليَّ نظرات مستقيمة ، من عينين غجريتين .. من لا يعرف سركون بولص لمْ يعرف شاعراً كركوكلياً حقيقياً وأصيلاً .. لقد كانت وحتماً مازالت روحه ضاجّة بالحياة والشهوة والإبداع ، وهذا ما يؤكّد ديوانه الأخير ( حامل الفانوس في ليل الذئاب ) ، أدعو من أعماقي القديس أنطونيو شفيع المفقودين في المسيحية أنْ يعيد هذا المبدع إلى مدينة ( آرنجا ) ولو ليوم واحد كما فعل عام 1986.. أمّا فاضل العزاوي ؛ ببرود إنكليزي نساني أنا الذي لن أنسى أبداً .. كان يحبـّني إلى درجة لو تأخّرت في السفر إلى بغداد يرسل لي من يسأل عني بحرارة .. إنّه كركوكلي أصيل حتى النخاع .. إنَّ فاضلاً لمْ يدفن سرَّته في كركوك فقط ، بل ملأ مخيّلته السمعية بأفق من الخوريات الجميلة ، وحمل في حناياه طيبة ورقـّة أبناء مدينتي .. إيه ، هذه الأُوربا العجوز التي إحتضنت الكثير من أبناء مدينتي حجرّت قلوبهم أيضاً ، وجعلتْ كما قال الروائي الفرنسي الكبير ستندال ، من الحبّ والصداقة شيئاً من الدرجة العاشرة . إنَّ روايته الأخيرة تؤكدّ بما لا يقبل الجدل أنَّ نسغَ الحياة مازال يتدفّق فيه ، وهو رغم تجاوزه الخمسين مازال يبدع ويضطرم بحرارة.. ويوسف الحيدري ؛ يا إلهي من سيذكره بحرارةٍ سواي .. أشهدُ أنّني أتذكّره تقريباً كلّ يوم ، لأنّنا ونحن في ذروة شبابنا كُنّا معاً نطرق شوارع وأزقّة كركوك .. رحل فجأةً في شتاء العمر تاركاً لنا قصصه ، ورنين نكاته الصاخبة ، تلك النكات التي كانت تحرّرنا من حيرتنا، وهمومنا ، وعذاباتنا ولو لدقائق..
وأخيراً .. صلاح فائق : لمْ يكن أكثر من شبحٍ ضبابيٍّ عابر.
جماعة كركوك
* رعد : هذا يقودنا إلى جماعة كركوك ، ما دورها التاريخي والأدبي في العراق؟ وهل هي تسميةٌ نبعت من جغرافية المكان ، أمْ أنَّها تسميةٌ نبعت من تجمّع أدبي مبني على أسس شعرية وأدبية مدروسة ؟.
- جليل القيسي : تغريد الطيور في الشفق ليس كتغريدها في الغسق .. بعد عقد أو أكثر سيأتي حتماً ، أكرّرُ حتماً عدد من النقاد المنصفين غير المنحازين ليقولوا كلمة حقّ في ذلك التغريد السيمفوني الساحر لجماعة كركوك تلك الطيور النبيلة التي أدخلت الكثيرين إلى مدرستها العتيدة في الشعر والقصة والمسرح..
* رعد : بين ولادتك الفقيرة مع تلك الجماعة ، وحياتك المؤجلة ، هل راودتك عن حياتك لعبة الموت ، أمْ هل تابعك الجسر الحجري في آخر الليلِ وأنت تعبره ليصرخ : (( إلى أينَ أيُّها الحمّال القديم ؟ ))
- جليل القيسي : آهٍ .. الشطر الثاني من السؤال مأخوذ من قصيدة صديقي وحبيبي ، وإبن مدينتي المبدع الحبيب سركون بولص ، أقصد قصيدته الرائعة ( حلم الحمّال على جسر القلعة ) والمهداة لي .. حسناً ... سأدع الشاعر الفرنسي الآن بوسكيه أن يجيب عليك .. يقول في قصيدةٍ له :
(( بلا ثروةٍ ولا مجد ، أين أتقاعد / إنْ لَمْ يكن ما بين هذه الكلمات التي هل رفيقتي / على حافة العدم ..)) ... وأقول منذ أنْ قفزتُ في عربة الأدب لمْ أعد أعرف ما معنى الفقر والغنى .. أجل عشتُ ومازلت فقيراً بل ثقْ معدماً ، لكنّني في عربة الأدب تعلّمت إنَّ جوهر الفضيلة هو ضبط النفس .. إنّني الآن في الستين ، وعندما أُغادر الحياة أُغادرها مثل القديس فرنسيس الذي أسند رأسه على وسادةٍ حجرية لأنُّه أبى أنْ يأخذ كفناً معه من هذا العالم حيث ترك فيه الرحمة ، والعدالة ، والحنان ، ومئات التراتيل الجميلة..
* رعد : إذن هناك دائماً قرين ، ولما كان القرين حصيلة الانقسام بين الذات الطيبة والسيئة، هل حلمت بأن تكون دكتاتوراً " ذات انهيار ؟!..
- جليل القيسي : منذ أنْ دخلت عالم الأدب أعمل ليل نهار من أجل السمو الروحي للآخرين.. أعمل من أجل أنْ أدع الآخرين في هذه الحياة أن يسيروا بخطواتٍ ذهبيـّة ، وثقة مكينة بالنفس .. أعملُ من اجل الرقي الذاتي والروحي للآخرين .. كيف بحق السماء يستطيع هكذا إنسان أنْ يفكّر ولو للحظاتٍ أنْ يصبح دكتاتوراً..
الكتابة المسرحية
* رعد : نعرج على مسرحك ؛ وأسأل : المسرحية بطبيعتها فنٌّ إجتماعي تُكتب لتمثّلَ في معظم الأحيان ، وأهم ما يميّزها : الحوار ، فهل يلجأ جليل القيسي إلى تفريغ ما في نفسه ( من حوارٍ يعجُّ ويضجُّ في داخله ) على الورق كبديل عن لقاء الآخرين ، أمْ أنّه العمل الأدبي ولغته التي تجعل الكاتب شخصاً من شخوص عمله؟!.
- جليل القيسي : لا علاقة للحوار الذي أكتبه في مسرحي من عدم تمكّني من لقاء الآخرين، إنّني في كلّ عمل مسرحي أو قصصي أحاول ككاتب الوصول إلى أقاليم جديدة لقلب الإنسان .. أشعرُ أنَّ لدى الكاتب دائماً طاقات لجعل العالم ينسى متاعبه وأحزانه وآلامه .. وهذا الحوار الذي تتكلّم عنه ليس بديلاً ألبتّه عن عدم تمكّني من لقاء الآخرين ، إنّما هو لقاء فروسي وشجاع من أجل قداسة جميلة . إنَّ حيائي الغريزي الذي يسبقني حتى في الأمور البسيطة ويشلُّ قدراتي - أحياناً - عن التعبير ، ويفسر على نحو خاطئ .. أنا دائماً مع الآخرين ، عبر بارود من الكلمات.
* رعد : لكن مسرحك يخلو (بقصدية ) من الديكور أو الإكسسوار ، بل سمته الواضحة هي التعامل مع الطبيعة ورموزها الجميل "الشجرة" ( سرو ، كرز ، يوكالبتوس .. متنزّه ) فهل الشجرة ( الطبيعة ) هنا أداة استبدال عن شيءٍ ما في لاوعي جليل ؟.
- جليل القيسي : جئت أخرج المسرح العراقي من البيوت ، من الغرف الكئيبة ، من الدوائر والدكاكين .. المسرحُ عالمٌ لا منتاهٍ ، علينا أنْ نأخذ المشاهد ، القارئ ليسبح في أروع إرتعاشات المتعة الروحية والفكرية والنفسية إلى الطبيعة حيث النشيد الأزلي إلى الموسيقى الخُرافية ، إلى الأشجار – أجل السرو – الكرز – يوكالبتوس .. إلى الصحراء .. لكن لم يفهمني أي واحد هنا وفهمني بعمق ذاك الرائع عبد الكريم برشيد فقط !
تعرية المشهد
* رعد : تعرية المشهد ، القصصي أو المسرحي تعتبر جزءاً من طريقتك في الكتابة وهذه الطريقة هي جزء من حياتنا اللامعقولة حيث التعرية ، والتجريد الدائم للشخصيات والأشياء وكأنَّ الأشياء والأسماء لَمْ تأخذ مكانها في الحياة فضلاً عن مكانها في إطار العمل الكتابي ، فهل يعتبر جليل القيسي مجيئه أو مجيء شخوصه تمّ عن طريق الخطأ؟
- جليل القيسي : قلت في جوابٍ سابق إنَّ الأفكار ثُمَّ الشخوص كما يقول هولدرلين ( هكذا تهبط النجوم في وقار .... الخ ) أمّا أنا فلم آت خطأً ، أنا أوجدني الزمن مثل أي كائن لكن بوسعي ككاتب أنْ أعطي قيمة للزمن .. أمّا شخصياتي فتأتي ناقصة أي خامة أتريّث معها ، وأفهمها ومن ثم أحاول أنْ آخذ بيدها .. إنَّ شكسبير هو الذي أعطى هملت صفات .. عدمي/ فشل عقلي / عدم القدرة على التواصل / العجز عن اتخاذ القرار / عصبي / التحول بسرعة /التطرّف / عدم الحزم / الكآبة / فائض من العاطفة ....إلخ .. أجل عبر التعرية ، والتجريد ، والتجريب نصل إلى نتيجة.
دور اللغة
* رعد : اللغة أداة توصيل بين الكاتب وقارئه وإنَّ ( لغة الكاتب المبدع يجب أنْ تكون مضمّخة بثورة حقيقية ) صافية كالزجاج الشفاف ، متى يضطر الأديب المبدع إلى الكتابة بلغة ( الزجاج المشجّر )؟!.
- جليل القيسي : ها أنت ذا بكلماتي أنا توجّه لي أسئلة .. ثم ماذا ؟ الكاتب المبدع لا يمكن أنْ يكتب بلغة الزجاج المشجّر ، إلاّ إذا أُصيب بزلزال بالفكر والروح ... إنَّ الكاتب المبدع إضافة إلى خياله الرائع يملك إحساس شاعر ، اللغة الجافة المتخشبة المشجّرة بعيدة عن عالمه .. المبدع حتى في جنونه يكتب كالزجاج الشفاف واقرأْ معي هذه الكلمات لهولدرلين وهو في ذروة جنونه :
( يا هدوءَ عالم الظلال / إنَّي لراضٍ وأنْ لم يصحبني عزف على الأوتار
فلقد عشتُ ذات مرّة / كالآلهة / ولست في حاجة إلى المزيد ).
* رعد : هل تكون اللغة قبل النص أمْ النص قبل اللغة في أدب جليل ؟
- جليل القيسي : ما جدوى النص من غير لغة مضمّخة بثورة وما جدوى لغة مضمّخة بثورة حقيقية من غير نص متين ، نصّ متين ، نص بمتانة كاتدرائية .. الأدب مثل السمفونية كلُّ الآلات تعزف من أجل إخراج اللحن بطريقة هارمونية رائعة ، الأفكار العواطف ، اللغة ، الشكل ، النص ..
الشعر والقصة والمسرح
* رعد : إذا كان الشعرُ أعادة اكتشاف العالم ، فأينَ سترسو سفنُ القصة وفنـارات المسرح ؟
- جليل القيسي : يقول الروائي الفرنسي ديهاميل : ( إنَّ الشعر لا يحتاج إلى خبرة في الحياة ، بلْ ربّما يحتاج إلى جهل بها ، بينما المسرحية والرواية تحتاجان إلى تجارب ، وأمّا القصة فعمل النضوج ..) المسرح ميّت ومبدعوه الكبار الذين كسبوا تجاربهم بالسهر الإنتحاري ، غادروا ، والذين بقوا فضّلوا - بكبرياءٍ شامخٍ - الصمتَ ، أمَّا القصة فلمْ يعد إلاّ عدد قليل جداً من يضعها في المرتبة العليا ، وهناك من يتعامل معها لمجرد التسلية ، أو التهويل ، والعبث ...
* رعد : المدينة "آرنجا" الأسم السومري لمدينة كركوك هل هي المعدل الموضوعي للمرأة في حياتك الشبيهة بهذا الحوار ؟
- جليل القيسي : من المستحيل فصل الحقوق عن الأخلاق لأنّه منطلق الشعور بالتماسك الاجتماعي ، وأنا تجّاه "آرنجا" مثل الحقوق والأخلاق لا معنى لي ومع "آرنجا" مثل القوس والقزح فيها أزدادُ لمعاناً حتى لو تكاثرت الغيوم من حولي.
* رعد : سؤالٌ أخير لنصمت حتى حين ! هؤلاء المبدعون ماذا تقول عنهم ؟ محمد خضير – عبد الخالق الركابي – عبد الستار ناصر – محي الدين زنكنه – أحمد خلف – حميد المختار – صلاح نورس – سلمان داود محمد ...
- جليل القيسي : أتعرف ما الكتابة الحقيقية ؟ إنها فيض روحنا على الورق .. وفهم هذا الفيض الصعب والمعقّد والمتشابك من الروح يحتاج إلى ناقد مبدع لكنني مع ذلك أقول لك ، إنَّ الأسماء التي ذكرتها جميعاً يكتبون كلّ على طريقته ، يكتبون بعذاب ، بمعاناة ، بألم ، وبصعوبة .. ولكي يعطى كل واحد منهم حقّه وبعدالة قاسية ، توجّه إلى ناقد كبير.
أخيراً إنَّ الصمتَ إلى موهبة كبيرة.
إنتهى الحوار في 26/7/1998
كركوك ـ آرنجا
ملاحظة بعد الرحيل :
نشر هذا اللقاء في أماكن عديدة في حينها لأهميته – كما قال الراحل جليل القيسي – في مجلة الواح (إسبانيا) , وجريدة العرب العالمية (لندن) , ومجلة الأقلام العراقية ...وأماكن أخرى ... وأعيد نشره وفاءً لرحيل أستاذي وصديقي المبدع الكبير أبي أسامة ؛ جليل القيسي.....
مواضيع ذات صلة•
العبور نحو • بـنـيـة التكـرار في ( أنا واحد وأنت تتكرر) لمهدي القريشي• الخيال في القصة القصيرة .. أنا على رقعة شطرنج أنموذجا• لماذا ينتحلون أسماءنا؟• الديوان الثقافي في الفهود ..أه الثقافة في وجع الهور
مواضيع اخرى للكاتب• باسم فرات .. ذاكرة السومري المدجـّج بالأحلام والأسئلة• فؤاد التكرلي : أم تخطيط لعمود من نور .. وهيبة• قطيع ٌ .. أوانسُ .. إلى علي حبش• كلكامشُ يسألُ عن بلاد وادي الموتيـْن• أصدقاءُ .. يون ...له ُ.. ولَهُم .. الى النو ... اب , حس ... ن , في مهرجان الضحك الإسترالي


--------------------------------------------------------------
Azzaman.com


للمثقفين حكايات: أصدقاء جليل القيسي..هل يفكّون عزلته؟ - نصرت مردانهل كان من الممكن ان يبدع القاص جليل القيسي ما ابدع حتي الآن لو لم يعش طوال ثلاثين عاما في شرنقة العزلة التي ضربها حوله حسب اعترافه هو بطريقة درامية مشوبة بالسادية بحيث اصبح من المحال ان تستطيع اية قوة ان تحرره منها لأنه بات يعتبر تلك العزلة فردوسه؟!ان العزلة التي طالما تحدث عنها القاص ليست تلك العزلة التي نعرفها بمفهومه التقليدي بل هي عزلة الفنان التي يسوّر حياته بالاسلاك الشائكة، من اجل ان يعيش عالمه الخاص، ويبدع فيه بكل مديات الابداع. ولولا هذه التضحية الكبيرة لما تمكن جليل القيسي من ان يحافظ علي مكانته كقاص مقتدر لمدة تتجاوز الثلاثين عاما معتمدا علي موهبته وابداعه وليس علي أي شيء آخر. مبرهنا انه يمكن لاي مبدع ان يستمر في العطاء من دون الحاجة في ان يكون في الواجهة الاعلامية الرسمية. والقيسي بالتأكيد هو الرابح في هذا السباق النزيه. لان الاهتمام بأعمال جليل القيسي الذي يعتبر الصمت بحد ذاته نتاج موهبة كبيرة، في ازدياد مضطرد مع الزمن.تعتبر مجموعته القصصية الاولي (صهيل المارة حول العالم) 1968 اقرب المجاميع الي نفسه وروحه وقلبه. فهو في تلك الفترة في ذروة شبابه تجتاحه رغبة مهووسة في ان يحقق حقائق كبيرة وعميقة في ظروف الغضب المؤجج لروحه وموهبته القصصية. كتب نصوص مجموعته الاولي بلغة الغضب الهستيري والزمجرة. فقد كانت نصوص (صهيل المارة حول العالم) بمثابة مستودعه الروحي الذي كان يحس ان ما فيه من موهبة قصصية كافية لتأسيس مفهومه القصصي، وانتشال القصة العربية والعراقية من رتابتها.في مجموعته الاخيرة (مملكة الانعكاسات الضوئية) التي تضم قصصا احتفالية تتعامل مع تراث ثر من الافكار والعواطف والحكمة، يتحدث القاص مع آلهة اجداده السومريين والبابليين والآشوريين، فاتحا بذلك لاول مرة نافذة واسعة علي التزاوج والتداخل بين عالم القصة والتراث. في هذه المجموعة يعمده آلهة اجداده، ويفتحون له ابواب قصورهم وزقوراتهم ومعابدهم عكس تلك الايدي في (صهيل المارة حول العالم) التي كانت تستهدف الي استلابه. وبذلك فهو يمد الجسور مع اولئك العظام التي قرأنا عنهم ولم نرهم لكن تلك الشخصيات ترشه بلهيب شعلتها المقدسة، تقترب منه، وتقربه من عالمها.وحينما يكتب جليل القيسي عن بعض الشخصيات الفريدة التي يبادلها مشاعر المودة والصداقة، فانه لا يبادر الي فعل الكتابة الا علي اثر خزين واسع من المعلومات حولها. وهكذا يكتب عن آلام بجنسكي وجنونه مسرحية (بجنسكي ساعة زواجه) وعن معاناة فان كوخ يكتب مسرحية (وداعا ايها الشعراء) وعن استشهاد جيفارا يكتب (جيفارا عاد افتحوا الابواب) ويكتب عن اغتيال لوركا مسرحية (الليلة الاخيرة للوركا).تتضح اكثر وبجلاء حالة الألفة التي يشعر بها تجاه اصدقائه في (مملكة الانعكاسات الضوئية) حين يزوره في بيته الروائي العظيم دستوفسكي في قصة (توهج بلازما الخيال) يجد جليل القيسي فيردور ميخايكوفتش دستوفسكي ذات مساء امامه وجها لوجه. يجده كما تصوره دائما طويل القامة، هزيل الجسم، مقطب الجبين وهو يقول له اعرف انك تحبني كثيرا.. وها أنذا أتيتك بنفسي، احتراما لمشاعرك الحارة لي .يبلغه دستوفسكي في حوار ممتع حقا انه خسر مبلغا كبيرا في القمار، ويحدثه طويلا عن التكرار القانوني للأرقام مع الانسان. يشربان معا في ذلك المساء الكركوكي، ويستمعان معا الي موسيقي غلينكا.. يتحدث دستوفسكي عن العشاق في روايته.. هلوسة الحب عند الامير ميشكين ورجوجين تجاه ناستاسيا فييلبوفنا، وغرام ستافروجين المضطرب، ومزاجية جرونشكا، وديمتري، وكاترينا ايفانوفنا.. ثم يجري بينهما حوار سقراطي بعد ان يغادر بيت جليل القيسي الذي يخشي علي ضيفه ان يضل الطريق عندما يودعه فوق الجسر الواقع اسفل قلعة مدينة كركوك، ويأتيه الجواب من ضيفه الشيطان لا يمكن ان يضل طريق فيدرو ميخائيلوفيتش.. سأذهب من هنا، من جانب قلعتكم العتيدة، وفوق ذلك الجسر اتذكر مشاهد من روايتي الليالي البيضاء.. ثم آخذ طريقي باتجاه الجبال الي وطني الحبيب.. .ثم يعانقه وهو يقول له قبل ان يغيب في ظلام الليل:ــ أيها الصديق جليل القيسي، شكرا لضيافتك..في منزله بكركوك لا يزوره البشر فحسب بل تزوره حتي الاساطير كما في (نيدابة) حيث تبحث عن سلوي فلا تجد الي ذلك الا عند القاص الطيب جليل القيسي أنا يا جليل الاسطورة نيدابة.. أيها الكسول.. ايها الجاهل لقصص اجدادك واساطيرهم.. أنا الذي جعلت القصب ينمو، وسيطرت علي روح الهور، وهجرتها أخيرا.. قبل قليل وافق كبير الآلهة علي ابعادي.. وألغي منصبي علي ألوهية الهور والقصب .ــ لماذا يانيدابة؟ــ لم يعد هناك قصب.. لقد جرح القصب.. طعنت الغابة في خاصرتها. لم تعد هناك موسيقي.. الحكمة ماتت.وفي (متعة غامضة) تحضر فتاة فرنسية الي مهرجان مسرحي لتلقاه وتجري معه حوارا قد أكون أكثر ثقافة منك، لكنني قطعا لست أكثر موهبة منك.. أنا دائما أسكر بعصارات كتاباتك، واجلد نفسي بسوط مشاعرك. اقولك من أنا ومن أنت.. أنت جليل القيسي. أما أنا فبطلة قصتك (الميثوبي) .في (وجبة اسباغتي مع تنتورتو) يحدث العكس حيث يقوم هو هذه المرة بطرق باب صديقه الرسام الايطالي تنتورتو الذي يسكن البندقية، حاملا إليه من العراق تمرا كهدية.. ويقرر الرسام ان يرسم التمر في ماعون خزفي ثم يدعوه لتناول وجبة من الاسباغتي.وفي (فوبيا) وبينما هو مستغرق في قراءة رائعة تولستوي (آنا كارنينا) يزوره الصرصار غريغوري بطل قصة (المسخ) لكافكا حيث يحدثه عن معاناته قائلا له كم أنا سعيد لانك تفهمني. انت مثل الخمر يا جليل، حبيب الحزاني والسعداء معا .جليل القيسي لم يعد يعاني من العزلة والوحدة فقد اصبح يكتب اسطورته بنفسه وهو بالذات (الميثوبي) صانع الاساطير حيث ينطلق من هيمنة العقل الواعي، ويعبر الزمن الي اللازمن، والمكان الي اللامكان، يعيش صداقاته الجميلة في زمن رديء عزت فيه الصداقات الحقيقية فهو لم يعد نموذج الانسان المسحوق في (صهيل المارة حول العالم) بل يجد نفسه في (مملكة الانعكاسات الضوئية) هائما في عالم الاساطير والآلهة والخيال والتراث الجميل. حيث يدع القارئ يشاركه صداقاته الجميلة، ويطلعه علي خصوصية حواراته ومعاناة اصدقائه الذين يزورونه في معظم الاحيان في مدينته كركوك. وكأنهم يكافئونه علي تواضعه، وصمته الآسر أمام صغائر الحياة، وتفانيه من اجل الابداع الثقافي لا غير.جليل القيسي يعتبر الوحيد من (جماعة كركوك) الذي لا يزال يحلق في فضاءات الابداع بمدينته العراقية كركوك بعد سفر جميع اعضاء تلك الجماعة الي خارج البلاد. تلك الجماعة التي منها ايضا الشاعران فاضل العزاوي وسركون بولص. وهي الجماعة الادبية التي يتخطي عمرها الابداعي الاربعين عاما، وضمت في صفوفها كذلك (أنور الغساني، مؤيد الراوي، صلاح فائق، يوسف الحيدري، الأب يوسف سعيد).(جماعة كركوك) لا تزال تحمل اهميتها الابداعية لجليل القيسي حيث يعبر عن شعوره بهذا اليقين بقوله تغريد الطيور في الغسق ليس كتغريدها في الشفق.. بعد عقد او اكثر سيأتي حتما، اكرر حتما عدد من النقاد المنصفين، غير المنحازين ليقولوا كلمة حق في ذلك التغريد السيمفوني الساحر لجماعة كركوك.. تلك الطيور النبيلة التي ادخلت الكثير الي مدرستها العتيدة في الشعر والقصة والمسرح... .وبرغم ان القيسي يعبر دائما عن اشتياقه الي زميليه العزاوي وبولص اللذين يتحدث عنهما في كل فرصة، فان له اصدقاء مبهجين يزورونه في مدينته، ويطرقون بابه في الاماسي، كتاب وشعراء وأبطال ملاحم وآلهة اساطير ونساء معجبات به من شتي بقاع الارض. اجل يزورونه، لانهم اصدقاء جليل القيسي.اشارة الي أعمال جليل القيسي:ــ صهيل المارة حول العالم، قصص، 1968ــ جيفارا عاد افتحوا الابواب، مسرحيات، 1971ــ زليخة البعد يقترب، قصص، 1974ــ شفاه حزينة، مسرحيات، 1979ــ في قارب واحد، قصص، 1988ــ مملكة الانعكاسات الضوئية، قصص، 1996

--------------------------------------------------------------

al riyadh

صهيل المارة حول العالم - غياب جليل القيسي -

د. عبداللّه إبراهيم
1
بوفاة القاص جليل القيسي مساء الخميس 27/7/2006م تكون قد تلاشت آخر المحفزات الكبرى لذكرياتي الأدبية في كركوك، وبقاء القيسي إلى النهاية في مدينته - فضلاً عن موهبته اللامعة جعله أديبها الأول في النصف الثاني من القرن العشرين، وارتبطا ببعض على نحو يمثل ارتباط محمد خضير بالبصرة، فقد تفرقت جماعة كركوك الأولى، ثم الثانية، ولم يبق سواه ومجموعة من الأدباء لم يستأثروا بالاهتمام المطلوب بسبب الظروف العامة التي مر بها العراق خلال العقدين الأخيرين، وحيثما تذكر كركوك في أي سياق ثقافي، يحضر اسم جليل القيسي، بوصفه أهم شخصية أدبية فيها، ومعلوم أن كتاباته في العقدين الأخيرين كرست، تقريباً، كلها لكركوك.
تعرفت إلى جليل القيسي مباشرة في شتاء 1977حينما كان موظفاً في إحدى دوائر شركة النفط، وقد زرته في مكتبه، ووجدته في غرفة صغيرة جداً جوار المدخل، وكنت قرأت مجموعته القصصية «صهيل المارة حول العالم» التي استعرت منها عنوان هذه المقالة اشارة إلى أنه هو نفسه أحد الذين مروا بالعالم، وثم مجموعته الأخرى «زليخة.. البعد يقترب» ومجموعته المسرحية «غيفارا عاد افتحوا الأبواب» وفيما بعد نشرت أعماله الأخرى، وتوالت لقاءاتنا، واحتفظ برأي له عن قصة كتبتها آنذاك، وأودعتها لديه، فأعادها إلي بعد أسبوع، وكتب الملاحظة الآتية المؤرخة في 17/4/1977م في تقييم أي عمل فني، أي مجاملة، أو أي محاولة إعطاء قيمة زائفة، أو منافقة هو خيانة، وسخف، هذه ليست قصة، وإنما محاولة متواضعة جداً في كيفية تعلم كتابة القصة.. القصة فن صعب.. وبغية تعلم أصول كتابتها، واستيعاب فنها، تحتاج إلى الكثير من القراءة، والتأني، والتأمل، والمعاناة، وثراء روحي، وعزلة أحيانا، وهجرة المقاهي.. الكتابة بصوت أعلى من صوت سقوط الشلالات، الكتابة من أجل تحوير العالم واغتصابه، واكتشافه من جديد يحتاج إلى تضحية طويلة.. وعبر التضحية الطويلة تثبت الموهبة الأصيلة..» وأخذت بنصيحته، ولم أنشر أية قصة إلى ما بعد تخرجي في الجامعة.
توثقت علاقتي بالقيسي طوال الثمانينيات، وكانت تتخللها نقاشات ساخنة، وخلافات رأي، وقد قرأت كل الأعمال الأدبية للقيسي القصصية والمسرحية، بما فيها رواية قصيرة مخطوطة، وأكاد أقول بأنني لم اترك له عملاً دون أن أطلع عليه إلى أن غادرت العراق في أول التسعينيات، كما كتبت عنه أكثر من مرة، وتحدثت عنه طويلاً، وبالاجمال غرقت في عوالمه الرمزية والفنظازية التي لا يشاركه فيها أحد في الأدب العربي الحديث، وحينما عدت إلى العراق في صيف 2004 في زيارة سريعة، كان أول من زرته في بيته، وقد فوجئت به شيخا غير الذي عرفته من قبل، وقد ألمت به الأمراض التي أتت عليه، وأستعيد الآن بعضاً من لقاءات وأسفار مشتركة جرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
2
في أول نهار يوم 18/8/1986ه اتجهنا بسيارتي إلى السليمانية، القيسي، وعواد علي، وأنا، لمشاهدة مسرحية «الغوريلا» ل «أوجين أونيل» حضرنا العرض، وتجولنا في ضواحي المدينة.
وذهبنا إلى مصيف «سرجنار» وهو أحد مصائف المدينة، وقد امتلأت التلال المواجهة للمصيف بجماعات ممن أعفوا من الخدمة العسكرية، وسجلوا في أفواج «الفرسان» يتقاضون رواتب مجزية، ولا يقومون بأي عمل، اشترت الدولة صمتهم القومي الكردي، وهي في نزاع دائم مع السلطة المركزية، تقتحمها جماعات من «البيشمركة» ليلاً لضرب قوى الأمن والجيش، سمعنا إطلاق نار متقطع، عده الأكراد أمراً طبيعياً، وبقينا حتى الفجر في شقة أحد الأصدقاء نناقش القضية الكردية وملابساتها في ضحى اليوم التالي تجولنا في أحد أسواق البضائع المهربة، ويسمى تندرا سوق «الخميني» الذي ظهر في قاع المدينة للمهربات الإيرانية رخيصة الثمن عبر الحدود.
ودعانا للغداء ثري كردي يدعي «بوسكاني» قادنا إلى معامل للأحذية يملكها، وأهدانا أزواجا منها، فحرنا في حملها معنا، ولم يكن من الممكن ردها إليه، كان مشهداً غريباً إذ تقدمنا القيسي يحمل زوج الأحذية بيديه، فأودعناها صندوق السيارة، أخبرنا أنه كان يعمل في صقل الأعمدة الكونكريتية في شارع الرشيد في العهد الملكي، ويحلم في أن يكون شيوعيا، وحينما يتظاهر الشيوعيون ينزل من السقالة، ويتقدمهم عسى أن تلقي الشرطة القبض عليه ليعترف به مناضلاً، فيدخل الحزب، لكن أحد ضباط الشرطة يعرفه جيداً، ويرفض اعتقاله، يتوسل إليه «بوسكاني» أن يفعل، فيجيبه «لن اعتقلك، ولن أجعل منك بطلاً» في طريق عودتنا من معمل الأحذية مر بنا إلى منزله الفخم المجاور لمقر حزب البعث، قال «تصوروا أقدم لهم يوميا رشى ليحموني من المتمردين، وأقدم، أيضا، للمتمردين خلسة رشى ليعتبروني مخلصاً للقضية، وأحياناً أدفع للاثنين في اليوم نفسه»، كان رجلاً طويلا يريد أن يعيش في ظل التنازع المرير على الشرعية في منطقة كردستان، دعانا للغداء مع جماعة من المثقفين، الذين عبروا عن رفضهم للسلطة المركزية.
حينما تشعب حديثنا، وأثمر عن سجال دهمنا حشد من المسلحين، فضاق بهم المكان، فمدت لنا مائدة إلى نهاية الجدار، لفت انتباهي شاب ملتح، جلس قبالتي، يرتدي زياً عسكرياً، ويعلق مسدساً ضخما في وسطه، وجهه عريض، ولحيته طويلة مشعثة، ويقلد «غيفارا» في حركاته وسكناته، وذلك جذب القيسي إليه، فخيل إلي أنه إحدى شخصيات «مئة عام من العزلة» تحدث بالكردية، وحينما علم بأنني لا أعرف منها سوى ألفاظ متناثرة، أمر الجميع أن يتحدثوا بالعربية.
عرفنا بنفسه على أنه مستشار لأحد أفواج «الفرسان» وأردف «يعني جحشاً فكل متعاون مع السلطة يعرف، آنذاك، ب «جاش» أي «جحش» واصل سرد حكايته الشخصية، فإذا به قاص تمرد على العائلة ذات الخلفيات الدينية والعشائرية، وفي ظل الفوضى التي تمر بها كردستان، شكل فوجا من قبيلته، وأعلن نفسه قائداً له، يتلقى من الدولة شهرياً خمسين ألف دينار، نصفها يأخذه له، ويصرف النصف على أتباعه، ويمضي وقته سهراً، فالفرسان، شأنهم شأن «بوسكاني» يساندون الأكراد سراً، ويدعون قمعهم أمام السلطة، وغادرنا في نحو الرابعة إلى كركوك.
3
في إحدى أماسي يوم الخميس في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1986 هاتفني القيسي، وأخبرني بوصول محيي الدين زنكنه من ديالي، فسهرنا إلى منتصف الليل في نادي الفنانين .
وفي طريق عودتنا قررنا السفر إلى مدينة السليمانية، فوصلناها في العاشرة من صباح اليوم التالي، كان الجو بارداً، لكن الشمس مشرقة، والشوارع مزدحمة، تجولنا صحبة الأصدقاء الأكراد في أطراف المدينة، أفول الشمس أضفى على السليمانية ملمس الحزن والشجن، ودعينا ليلاً إلى أحد النوادي الاجتماعية في السليمانية، وأدخلنا إلى غرفة جميلة، شاركنا فيها خمسة من المثقفين الأكراد، منهم القاص رؤوف بيكرد، بدأنا الحديث عن الأدب الكردي، ثم الأدب في أميركا اللاتينية، وانزلقنا إلى الماركسية التي تستهوي القيسي وزنكنه، فجأة أنقذنا القيسي الذي كان أكثرنا حماسا في المساجلة، حينما ترتم ب «الخوريات» التركمائية، وهي رباعيات غنائية تعتمد الجناس، ولها في الثقافة التركمانية مكانة «المقام» في الغناء العربي في العراق، شهق، وتضرع، وهو يقفي، ويوري، ويتوجع، ويئن فشحنت الجلسة بلذة الخلود، والمتعة الباهرة، فالتقط بيكرد نهاية إحدى «الخوريات» وعلا صوته بأغان فارسية عميقة القرار، فسرح بنا ربوع إيران، نخبط ضالين في فيافي العرفان كمريدين ودراويش، وقد همنا في لذة الإصغاء، وأسرفنا في الأنين.
ذهلت للجو الغنائى الذي محا السجال الفارغ، فتمايلنا معاً أخوة في المتعة منذ بدء الخليقة.
انعقد أمرنا حول بيكرد الذي انسجم مع نفسه في التلذذ بعمق الآهات، والترجيعات، وصدى الأنات التي يصدرها صوته الساحر، ورنين الرغبة الجارفة في أعماقه للذوبان في ألحان فارسية انبثقت لتوها في وسط عالمنا، واقتحمت نفسي وعقلي، ودفعت إلى الوراء بأحاسيس الحرب التي كانت تقف حائلاً دون معرفتي بالتراث العريق، فسقطت في هوة الندم، وتأنيب الضمير، وضبطت نفسي متلبساً بالخطيئة، فقد أعمت الحرب، وأيدلوجيا العداء، بصيرتي عن تلمس الغذوبة الجوانية الغامرة عند أقرب الجيران، وأوثقهم صلة بي، وبثقافتي، طاف ملمح شفاف من الشعور بالخديعة والعار في رأسي، وظلت الألحان تحفر في أعماقي لعقد ونصف، وحينما دعيت إلى طهران في ربيع 2004 عدت محملاً بأسطوانات ممغنطة زرعت في نفسي متعة لا تقدر بثمن، فقد سرى مفعول تلك الأمسية في رأسي كالترياق، كأنني برفقة زرادشت، ولم أخمن إن كان ترياق شفاء أم هلاك.
غادرنا السليمانية في العاشرة، ووصلنا كركوك مرهقين ظهراً، نمت حتى الرابعة إلى أن أيقظني هاتف من القيسي يدعوني فيه إلى بيته، فالتم شملنا كحواريين في كهف صغير، تحدثنا عن الفن التشكيلي، ونحن نستعرض لوحات غوغان، وفان كوخ، وغويا، واستمعنا لموزارات، وسيد درويش، ثم عبدالوهاب، وأخيراً اسمهان، وفي العاشرة تفجر نقاش ثقافي، في تلك الأيام رفضت وزارة الثقافة العراقية نشر كتابين للقيسي وزنكنه، فكانا متذمرين، فهما من كبار الكتاب، لكنهما نأيا بنفسيهما عن المشاركة في الثقافة السائدة، فبدا صوتهما ناشزا وسط جلبة رديئة هذا الموضوع أفضى بنا إلى الحديث عن أزمة الثقافة العراقية قال جليل «انظروا إلى الفرق في سعر أسطوانة الموسيقى بين بغداد وموسكو تعرفون الفرق بيننا وبينهم، في موسكو يباع كتاب بوشكين بروبل فحسب، فيما نحن ندفع الدنانير بكتب تافهة، أهذه ثقافة؟، وحينما ترنم عبدالوهاب بأغاني الأربعينيات، صمتنا فجأة وذاب الحماس، وانحسرت التهم، وانبثقت روح التآخي الحميم، فقبلنا بعضنا، وخرجت مغادرا إلى منزلي تتكسر تحت عجلات السيارة طبقة الجليد الرقيقة على الإسفلت.
واتفقنا جليل، ومحمود جنداري، وعواد علي، وأنا، ثم التحق بنا حسن مطلك (الذي أعدم بعد ذلك) أن يلتئم شملنا، مرة واحدة في الأسبوع، في نادي «عرفة» أحد، واتفق أن نسمي ذلك «لقاء الثلاثاء» وفي يوم 16/12/1986 انعقد اللقاء الأول في النادي، ناقشنا فيه رواية جنداري «الحافات» نشرتها مجلة «الأقلام، في الجلسة الأولى لمست تنافسا جوانيا واضحاً بين جنداري والقيسي، من ناحيتي وجدت اللقاء مختبراً أدبيا يجعلنا وسط تجارب أدبية ناضجة، وفي تماس ثقافي مع الآخرين، التأم لقاء الثلاثاء الثاني، وبدل أن نبدأ الحديث عن الأدب، شرع القيسي يصف الأمراض التي يعانيها، وهي كثيرة، أولها الضغط، والتقط جنداري الخيط فكشف عن أزمته القلبية، وعملية القلب التي أجراها في مستشفى «ابن البيطار»، بعد هذه المقدمة القاتمة، وجدنا الفرصة للانتقال إلى الأدب.
بدأ القيسي بأن أكد أن ما نكتبه عواد وألا يشكل ملمحاً خاصاً، والخيارات أمامنا كثيرة، ومفتوحة، فإذا لم نجد مواهبنا في القصة فيمكن العثور عليها في مجالات أخرى، وتوقف للحظة، ثم نظر إلينا، وأكد أن مواهبنا القصصية مشكوك فيها، وإنه ليس علينا تغيير طريقة الكتابة القصصية فقط، بل ينبغي تغيير مصير هذا التوجه، ففي كتاباتي النقدية القليلة المنشورة، وآرائي الشفوية، تظهر ملامح نقدية - كنت أعد أطروحة الماجستير - فيما يمكن أن يكون عواد أحد نقاد المسرح في العراق الذين يرتكزون على تجربة أكاديمية، وجدت جليلاً صادقاً في حديثة، وما راودني شك في أنه ينطلق من سوء قراءة أو سوء نية، وأثبتت السنوات اللاحقة صحة ما شدد عليه في تلك الجلسة، أما جنداري فراح يفند رأي سلفه، فجزم بأن ما كتبناه يبشر بمواهب جادة في كتابة القصة، وعلى الرغم من أن تجاربنا مازالت في بدايتها، ولم تقدم نفسها بصورتها النهائية، لكن من المرجح أن تكون متميزة إذا خلصنا للكتابة القصصية، وراعينا أمرها بصدق، وحثنا على تبني الجرأة في التعبير، وعدم الانثناء بإزاء أي صعاب تظهر أمامنا، فالكتابة نوع من المغامرة الدائمة، وصدق حدس القيسي فيما بعد.
وانتهت سهرتنا بأن طفنا في المدينة كالعادة كأننا رهبان في حاضرة الفاتيكان نتبرك بمدينتنا وقلعتها العريقة، أغرقنا القيسي بنكاته وهو كائن ليلي بامتياز، وقبل أن نصل جنوب المدينة حيث يسكنا، عدت ثانية إلى وسط المدينة للتشرب بمزيد من المتع، فيما يفوز جليل بالغناء عكس حالته النهارية المنزوية والخائفة. درنا في الطرقات المثلجة، فيما تتأوه أسمهان بصوتها العذب، وتتفجر نكاته وسط هرج أليف ممتع، استنفذنا قوانا بعد ساعة، فاتفقنا ألا نلتقي الأسبوع القادم، بل سنمضي في المكان نفسه حفلة رأس السنة ليلة الأربعاء التي تليها، وفي تلك السهرة الممتعة، انطلق القيسي، وزوجته الأرمنية «أردميس» في رقصة «تانغو» مع بدء أول نغمة موسيقية تنكرت أردميس آخر ما طبع في ذاكرتي، فقد كنت اتهيأ لمغادرة كركوك إلى بغداد نهائيا، كثير من الكتاب ارتبطوا على نحو تام بمدنهم، واقتران جليل القيسي بكركوك، واقترانها به، أمر لا سبيل إلى فكه، إنما الأخذ به كحقيقة لا بد منها، فقد سلخت منه كركوك نصف قرن من الحب والكتابة، وظفر منها الاحتفاء به بوصفه كاتبها الأول



---------------------------------------------------------.

PHOTO of KIRKUK city

PHOTO of KIRKUK city
Jalil al qaysi agreat righter of kirkuk grope

JALIL AL QAYSI Photo by Naser Hasan 2006

JALIL AL QAYSI Photo by Naser Hasan 2006
Al qaysi two days befor of his dith on 27-7-2006